#لمن_أكتب_ولم_أكتب؟ صفية الودغيري

إعلان الرئيسية

الصفحة الرئيسية #لمن_أكتب_ولم_أكتب؟ صفية الودغيري

#لمن_أكتب_ولم_أكتب؟ صفية الودغيري

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏                                                                                                  لكلِّ كاتب مذكرات يسجِّل من خلالها أفكاره التي يتمثَّلها القلم، وما يرتبط بملاحظاته، وتأمُّلاته، واستنتاجاته الخاصة ..
وقديما سئل العلامة أبو فهر محمود محمد شاكر : " لمن تكتب هذا الذي تكتبه؟ إنهم جميعًا نيام يغطون، فلو قذفتهم بالشهب أو الصواعق لناموا على وقعها أو إحراقها."
فضمن جوابه في رسالة مطولة : << لمن أكتب؟ لم أحاول قط أن أعرف لمن أكتب؟ ولم أكتب؟ ولكنِّي أحسُّ الآن من سرِّ قلبي أنِّى إنما كنت أكتب، ولا أزال أكتب، لإنسانٍ من النَّاس لا أدري من هو، ولا أين هو: أهو حيٌّ فيسمعني، أم جنينٌ لم يولَد بعد سوف يقدَّر له أن يقرأني؟ ولست على يقينٍ من شيء إلا أنَّ الذي أدعو إليه سوف يتحقَّق يومًا على يد من يحسن توجيه هذه الأمم العربيَّة والإسلاميَّة إلى الغاية التي خُلِقت لها، وهي إنشاء حضارةٍ جديدة في هذا العالم، تطمس هذه الحضارة التي فارت بالأحقاد والأضغان والمظالم، ولم يتورَّع أهلها عن الجور والبغي في كلِّ شيء، حتى في أنبل الأشياء - وهو العلم ـ لم يُخامِر قلبي يأسٌ قط من هذه الفترة التي نعيش فيها من زمننا، ولم يداخِلني الشَّك في حقيقة هذه الشُّعوب، وإن كانت لا تزال تعيش في بلبلة جَيَّاشة بأخلاطٍ من الغرور والخداع والعبَث، وفي أكفانٍ من الفقر والجهل والمخافة، وفي كهوفِ من الظُّلم والاستبداد وقلَّة الرَّحمة. كلُّ ذلك شيءٌ أراه وأعرفه، ولكنِّي أستشِفُّ تحت ذلك كلِّه نقاءً وطهرًا وقوة تدب في أوصال هذا العالم الذي أوجه إليه كلامي، وهو خليق أن يتجمع للوثبة في الساعة التي كتب له فيها أن يهب مرة واحدة تذهل الناس كما أذهلتهم من قبل، وهو خليق أن يكون سر الحياة الجديدة التي تضرب عروقها إلى عصور بعيدة في تاريخ البشر. ولعل هذه المحن التي أحاطت به من خارج، والتي استبطنته من داخل، هي حوافز البعث الجديد، وهي نار التمحيص التي تنفي خبثه كما ينفي الكير خَبَث الحديد.. >>
ومذكراتي حول فن الكتابة لا أَبْتغي من ورائها أن نكونَ نسيجًا من عباراتٍ مُنْتخبَة، ذات انتظامٍ فريد للكلمات في عِقْد المعاني الآسِرَة للقلوب، بل أَبْتَغي ما هو أعظم من ذاك، وأسمى غايةً ومقصِدًا، وأَنْشُد وَصْلاً يشُدُّني ويشدُّ وِثاقَ القلم فيتوحَّد بالسطور، كما تتوحَّد الكلمات والحروف، في ارْتباطٍ يصِلها بعهود الوفاء، ومواثيق الحبِّ الأَخَّاذ، الذي يبعث في شرياني صبيب الدماء، ويدعوني لأردِّد في انتِشاء :
اكْتُبْني أيُّها القلم على أوردة القلب ..
واطْلِقْ سراحَ الحِبْـر كي يجري مع صبيب الدم ..
ودَعْنـــي أتَنفَّسُك كالنسـيم، والعبيـر، والهــواء ..
كي تُعيدَ إلى ثَغْرِ الورق بسَماتِ الحياة ..
وتعيد إلى الصدر الشَّاكي خَفـقـانَ النَّبـضِ والفؤاد ..
ودَعْني أكون الرَّبيعَ في كلِّ الفصول والأيام
والتَّغريـدَ الشَّادي على الأغصان ..
والرُّوحَ التي تسافِــرُ خارج الحدود، وتجوب كلَّ الأوطان ..
فلمن تكتب؟ ولم تكتب؟ !!
حين ترفع قلمك لتكتب، فأنت لا تحرِّكُه كريشةٍ في محبرة، تَرْشُف من مِدادها ما تُلَوِّن به صَفحاتك البيضاء، التي تَشِفُّ عن سُطورٍ من فراغ تُغازِلُ أَطْيافَ أمانيكَ الحالمة، وتَحْمِلُك على مِهادِ خَيالٍ ساحِر الإيماض ..
ولست تُبْحِر بالكلمة إلى حيث لا مَرْسى ولا وطن، ولا اعْتِبار للغايات والأهداف، ولست تُحَلِّق بالمعاني خارج حُدود واقعِك ومُحيطِك، فتقودُك إلى حيث تشاء بلا ضَوابِط ولا شُروط تُنَظِّم أفكارَك وخَواطِرَك، فيَنْساقُ قَلمُك إلى حيث مَنْفاه ومَثْواه، ليَتجرَّع مَرارَة الاغْتِراب بلا هَوِيَّة ولا انْتِساب ..
بل أنت تكتب ..
لأنَّك تَشْعُر أنَّ للحَرْف، والكلمة، والجملة، وُجودًا حَقيقيًّا وحياةً مُتَنامِيَة، وصَوْتًا وصَدى، وهَديرًا يَهيجُ وَيْهدأ، ويَعْلو ويَنْزِل، وروحًا تَشْدو وتُغَرِّد، وتتنَفَّس الحياة شَهيقًا وزَفيرًا، يَصِلُ نَبضاتِ الأقلام، ويُحَرِّك خَفقانَ الحِبْرِ وجَريانَ المِداد فوق صفحاتٍ بيضاء ..
وأنت تكتُب ..
لنُثْبِتَ وُجودَك ابْتِداءً من أوَّل حَرْفٍ إلى مُنْتَهاه في سُطورِ الحياة، ولتُثْبِتَ قُدْرتَك على مُمارسَة الثَّقافة والتَّعبير بالكلمة والمعنى والمَبْنى، ولأَنَّك بدون فكرةٍ تَتنفَّس في ذاكرةٍ حيَّة، يَحْمِلُها القَلم على مِهادِه ويطوفُ بها في مُحيطاتِه، لن تولَد المعرفَة على بياض الوَرقِ، ولن تُحْدِث صَحْوَةً يكونُ لها تأثيرٌ وامْتِدادٌ يُعيدُ للإنسانِ إنسانِيَّتَه الضَّائِعَة وسط صَمْتِ الأَقْلام ..
وأنت تكتُب ..
لتَرْسُم خُطوطَ بَصْمَتِك، وتضَع حُدودَ جغرافيَّة قلمك، وتَخْتارُ أَلْوانَك وأَلْوانَ صفحاتِك، لتُخْرِج للوجود سطورًا تَمْلأُ فراغاتِ الأفكار، وتبعثُ في البياض ألوانًا كألوانِ فصولك وأيامك، ولتُنْجِب للحياة بِضْعَةً منْ إنتاجِ ثقافتك ومواهبك، بعد مخاضٍ عسير تَشْقى بحَمْلِه فيَحْمِلُه عنك القلم، ليرسُم بالكلمات أَجْمَل صورة يجتمع فيها الإِبْداع والتَّصوير الفَنِّي، والتَّعبير البليغ الفصيح، بلغةٍ تُخاطِب الضَّمائر وتَشْحذُ الأَذْهان، وتَنْشَط الجَوارح وتَنْفُض عنها الخُمول، والرَّكود، والجُمود، فتُقْبِل على القراءة حُبًّا لذاك التَّصوير الفنِّي والتَّعبير بالبيان والعِبارَة، واخْتِيارًا للمعاني المُنْتخبَة بعِناية فائِقَة، والأقكار التي حاكَها العقل ببَراعَة وإتقان، ونسجَها الإحساس الصَّادِق باقْتِدار، في تركيبٍ عجيب وتسلسلٍ بديع، وتناغُمٍ فريد في اختيار الألوان بذوقٍ رفيع ..
( .. والبقية ضمن مذكراتي حول الكتابة .. )
📜🖊️📜🖊️📜🖊️📜🖊️📜🖊️📜🖊️📜🖊️📜🖊️📜
رجاءً شاركني ما أكتبُه، ولا تسرق فلذاتِ قلمي وتغتصب بناتِ أفكاري، فإنَّ للأقلام حرمتها وعزها وشرفها، والكلمة أمانة تُصان، وتُنسب لأصحابها وأهلها، وتسأل ناقِلَها عمَّن نقلها بذكر اسمه، وأصله ونسبه، فاحذر أن تقصر في حقِّها، فهي إما شاهدة لك بالحق أو شاهدة عليك بالباطل ..
صفية الودغيري

التصنيفات:
تعديل المشاركة
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

لست ربوت

Back to top button