الحق_يطلب_لذاته بقلم صفية الودغيري

إعلان الرئيسية

الصفحة الرئيسية الحق_يطلب_لذاته بقلم صفية الودغيري

الحق_يطلب_لذاته بقلم صفية الودغيري

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص أو أكثر‏‏إ                                                                                                            انَّ الانتصار للحَق أَوْلى من الانتصار للكرامة وأهواء النفس، فإذا اجتهد المجتهد وأخطأ في اجتهاده فعليه أن يعترف بخطئه، ويُقَوِّم منهجه في الاجتهاد، ويصحِّح أخطاءه ما وسعه ذلك، ويعود إلى المنهج الصَّواب وجادَّة الحق، ويهتدي إلى المُعْتقَد الصَّحيح والطَّريقة المُثْلى، ويَرْدَع هواه عن المُضِيِّ في طريق غيِّه، ويصُدّ عقله عن اتِّباع طَيْشه، ولا يجانِب الحقَّ إن جارَ في الحُكم، وأن يلتزِم في كلِّ شؤونه وأحواله بإِعْمال المنطق والعقل، والاتِّزان بميزان التَّوسط والاعتدال، فلا تَأْخُذه عصبيَّته العمياء ولا غرور جهله إلى الاعتداد برأيه الباطل في غير مواطن الاعتداد بالآراء، وأنْ لا يمنعه انتصاره لدليله الضعيف عن إِنْصاف صاحب الدَّليل القوي، ولا أن يمنعه انتصاره لقوله المَرْجوح عن الانْصِياع إلى قَبول القَوْل الرَّاجِح ممن يخالفه الرَّأي، وما أحسنها من حكمة قَالَها وَهْبُ بْنُ مُنَبِّه : (احْتِمَالُ بَعْضِ الذُّلِّ خَيْرٌ مِنَ انْتِصَارٍ يَزِيدُ صَاحِبَهُ قَمَاءَةً ـ أي ذُلاًّ وصغارًا ـ ..) .
وإنَّ من استطاع أن يغيِّر من نظرته الحسيرة، وأن يحَرِّر عقله من تصوُّره الضَّيق، ويُلْزِم نفسه بما يُلْزِمُه الظَّرف والمكان والزَّمان، وتبدُّل الأحوال والأحداث، ويُخَلِّص تفكيره من فلسفته المعقَّدة ونمَطِيَّته الجامِدَة، فسيشعر حينها أنَّ انتصاره للحَق أَوْلى من انتصاره للباطل، وأنَّ انتصاره للدَّليل الرَّاجِح أَوْلى من انتصاره للدَّليل المَرْجوح، وأنَّ الاحْتِكام إلى أحكام الدِّين والانْضِباط بضوابط الشَّرع وتحقيق مقاصده أَوْلى من الاحْتِكام إلى أحكام الناس وأعرافهم، وأمزجة النَّاس وشطحات أهوائهم، وأنَّ الانتصار لأهل الحق ومذاهبهم أوْلى من مداهنة ومداراة أهل الباطل وشيعتهم ومذاهبهم، أو مجاراة من علا شأنهم وذاع صيتهم وقوي سلطانهم .. 
وإنَّ التاريخ ليشهد على تلك المشارق النورانية التي خلَّد مصابيحها رجال وأعلام أفذاذ، خلَّفوا آثار علمهم بأقوالهم وآرائهم السَّديدة، وأعمالهم ومواقفهم الجريئة في الانتصار للحق وأهله، والتصدِّي للباطل وأهله، ومن بين تلك المواقف الجريئة ما رُوي عن جبِلَّة بن حمُّود بن عبد الرحمن بن جبِلَّة الصَّدفي ت 297 ه، وما اشتهر به أيام أبي العباس بن الأغلب ومنها : 
أنَّه لما ولي الصديني القضاء ـ وهو محمد بن شعيب الصديني، فقيه قيرواني، حنفي المذهب، معتزلي العقيدة، ت 304هـ ـ كان جبِلَّة يصلِّي في مسجده يوم الجمعة الظُّهر أربع ركعات بأذان وإقامة، فقال له المؤذِّن: <<أترى أن أؤذٍّن وأُقيم في داخل المسجد فإنَّ الوقت حاد؟ ـ والمقصود أنَّ الظَّرف والزَّمان مُعادٍ لنا، ومخالف لمذهبنا ـ 
فقال جبِلَّة: تؤذِّن وتُقيم في الصَّحْن وإلا فالْزَم دارَك، لو منعَنا أحدٌ من الصَّلاة لرَمَيْناه بالنِّبْل >> . 
وكتب الصَّديني إلى أبي العباس الأمير: <<إنَّ جبِلَّة يصلِّي في مسجده يوم الجمعة بأذان وإقامة، فأرسل إليه الأمير: مُدَّ يدك إلى من شِئْتَ واحْذَر جبِلَّة >> .
لأنَّه كان مُجابَ الدَّعوة، فخاف على نفسه من دعائه .
وكان رحمه الله شديدًا على أهل البدع ومجانبًا إيَّاهم، ولم يكن في وقته أكثر اجتهاداً منه في مجاهدتهم، وكان لا يداري في ذلك أحداً من الخلق فسلّمه الله عز وجل منهم وحماه من كيدهم ومكرهم .
وقال أبو محمد عبد الله بن سعد ـ أو سعيد ـ الصَّائغ، المعروف بابن التفاحي:
<<وجاءه ـ أي جاء إلى جبلة ـ صاحب المحرس واسمه سحنون، فقال له: الأمير يقول لك: كرِّر الإقامة ـ يقصد تكرار الإقامة على مذهب الحنفية، وهو تكرار تكبيرات الإحرام أربع مرات في أولها، واثنتان في آخرها، والباقي يذكر مرتين ـ
وسلِّم اثنتين ـ أي التسليم بتسليمتين للإمام والفذ والمأموم، وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلا المالكية فإنهم لا يأخذون بها إلا بالنسبة للمأموم ـ 
ولا تَقْنُت في الصًّبح . 
فقال له جبِلَّة: مُرْ يا شص ـ أو يا لص وهما بمعنى واحد ـ سمَّاك جدُّك سَحْنونا وأنت سَحْنون والأمير لا يعلِّمُنا أمر ديننا >>.
📜🖊️📜🖊️📜🖊️📜🖊️📜🖊️📜🖊️📜🖊️📜🖊️📜
رجاءً شاركني ما أكتبُه، ولا تسرق فلذاتِ قلمي وتغتصب بناتِ أفكاري، فإنَّ للأقلام حرمتها وعزها وشرفها، والكلمة أمانة تُصان، وتُنسب لأصحابها وأهلها، وتسأل ناقِلَها عمَّن نقلها بذكر اسمه، وأصله ونسبه، فاحذر أن تقصر في حقِّها، فهي إما شاهدة لك بالحق أو شاهدة عليك بالباطل ..
صفية الودغيري

التصنيفات:
تعديل المشاركة
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

لست ربوت

Back to top button