ارادة_الله_غالبة_على_إرادة_القلم بقلم صفية الودغيري

إعلان الرئيسية

الصفحة الرئيسية ارادة_الله_غالبة_على_إرادة_القلم بقلم صفية الودغيري

ارادة_الله_غالبة_على_إرادة_القلم بقلم صفية الودغيري

لا يتوفر وصف للصورة.                                                                                            وأنت تمسِك القلم كي تمارس فنَّ الكتابة والتَّعبير، عليك أن تهيِّئ روحَك وجسدك لاستقبال الإلهام المُسْجى لهَدْأة خيالك وانبساط أفكارك، واستقبال انبعاث ما تُوَلِّده بإرادتك واختيارك ..
وأنت تكتب عليك أن تلبس للقلم لباسه وتلتحف بلحافه كي لا تضعف ولا تنكسر، وتتوحَّد روحُك بروحِه لتصيرا روحًا واحدة، ويمتزج دمُك بحِبْره في مجرى واحد يتدفَّق ..
وتصيرا معًا مزيجًا لطيفًا متناغِمًا مع ما يصدر عنكما من حركات وأصوات وأنفاس، تهتزُّ في حبل وريدكما، وتخفقان معًا بقلب واحد، وتصيرا معًا خليطًا من صُوَر وألوان الحياة والطَّبيعة، تتحدَّثان بحديث الإنسان، وتعبِّران بلسان حاله ومعاشه، وتُولِّدان أفكاره الخاملة، وتحرِّكان مشاعره الصَّامتة، وتُنْجِبان للحياة ما عجز عن إنجابه بلسانه وعقله ووجدانه، وفق تركيبٍ وترتيبٍ عجيبٍ بديع، ينتظم مبناه ومعناه على امتداد السُّطور والصَّفحات ..
وأنت تكتب ستشعر أنَّك تقفز خلف جدار زمانك ومكانك، وتصير أنت والقلم في مكانٍ غير مكانك وزمانٍ غير زمانك، ولا شيْءَ تراه أَجْمل من أن تكتب عمَّا يخالجك، وعمَّا يتحَرَّك بداخلك وداخل من تقرأ عن أحوالهم وظروفهم، ومن لا يملكون سمعة ولا منصبًا ولا شهرة، ولا صوتًا مسموعًا ولا كلمةً تُذاع ..
وأنت تكتب ستدرك أنَّ هناك إرادةً أقوى من إرادتك، واختيارك وقرارك، وأقوى من إرادة قلمك الذي تحرِّكه وتوجِّهه، وأقوى من صوتك وحرفك والكلمة التي تقود سفينتها، وتَمْخُر بها عُباب سطورك، وتشقُّ بها بياض صفحاتك وبحر أفكارك الزَّخَّار ..
إنها إرادة الله ومشيئة الله التي يقف أمامها القلم خاشعا، خاضِعًا لنفاذِ حُكمِه ومنقادًا لسلطانه، قد سلَّم لربِّه وسلَّم لأمره، ساعِيًا لإعلاء كلمته، مجاهِدًا في سبيل إدراك الغاية المرجُوَّة من استخلافه، وحمل أمانته ورفع رايته، وإعزاز ولايته، وإذلال أعدائه، والظَّفْر بإثبات الحقِّ به والإنصاف للعلم به، وإظهار مناقبه ومناقب أهله بين جُلسائه ومطارح آرائه، ومضارب أفكاره ومصارف أقلامه ..
وهذا شأن كلِّ قلمٍ سليم وقلبٍ سليم، تنبع الكلمة الصَّادقة من صفاء ونقاء ينبوعه، وتتَّصِف بأوصافه التي بها ينجو من عذاب الله وعقابه، كما قال ابن قيم في وصفه : <<فالقلب السَّلِيم الَّذي ينجو من عذاب الله هو القلب الَّذي قد سلَّم من هذا وهذا، فهو القلب الَّذي قد سلَّم لربِّه، وسلَّم لأمره ولم تَبْق فيه مُنازعَة لأمره ولا مُعارضَة لخبره، فهو سليمٌ ممَّا سوى الله وأمره، لا يرِيد إلا الله ولا يفعل إِلَّا ما أمره الله، فالله وحده غايته، وأمره وشرعه وسيلته وطريقته، لا تعترضه شبهة تحول بينه وبين تصديق خبره، لكِن لا تمرُّ عليه إِلَّا وهي مجتازة، تعلم أنَّه لَا قرار لها فيه ولا شهوة تحول بينه وبين متابعة رضاه، ومتى كان القلب كذلك فهو سليمٌ من الشّرك، وسليمٌ من البدع، وسليمٌ من الغي، وسليمٌ من الباطل ... وحقيقته انَّه القلب الَّذي قد سلم لعبوديَّة ربِّه حياءً وخوفًا وطمعًا ورجاءً، ففنِيَ بحبِّه عَن حبِّ مَا سواه، وبخوفه عَن خوف ما سواه، وبرجائه عن رجاء ما سواه، وسلَّم لأمره ولرسوله تصديقًا وطاعةً، واستسلم لقضائه وقدره فلم يتَّهمه، ولم ينازعه ولم يتسخَّط لأقداره، فاستسلم لربِّه انقيادًا وخضوعًا وذُلاًّ وعبوديَّةً، وسلَّم جميع أحواله وأقواله وأعماله وأذواقه ومواجيده ظاهرًا وباطنًا ..>>
ومن قُسِم لقلمه السَّليم وقلبه السَّليم أن يكون هذا شأنه وهذا حاله، وهذه أوصافه وصفاته، أنفذ أمر الله إذعانًا لإرادة الله، وإن انحرف عن مجرى إرادة حامله وإرادة كاتبه، وقديما أراد ابن عامر أن يكتب لرجُلٍ خمسين ألفًا، فجَرى القلم بخمس مائة ألف. فراجعه الخازِن، فقال: أَنْفِذه فوالله لَإِنْفاذُه أحسَن، وإنَّ جُرْحَ المال أحسَن من الاعتذار. فاسْتَسْرفه، فقال: إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا حَرَّف القلم عن مجرى إرادة كاتبِه إلى إرادتِه، وأنا أردتُ شيئًا وأراد الجواد الكريم أن يُعْطِي لعبده عشرة أضعافه، فكانت إرادة الله الغالبَة، وأمره النَّافِذ .
📜🖊️📜🖊️📜🖊️📜🖊️📜🖊️📜🖊️📜🖊️📜🖊️📜
رجاءً شاركني ما أكتبُه، ولا تسرق فلذاتِ قلمي وتغتصب بناتِ أفكاري، فإنَّ للأقلام حرمتها وعزها وشرفها، والكلمة أمانة تُصان، وتُنسب لأصحابها وأهلها، وتسأل ناقِلَها عمَّن نقلها بذكر اسمه، وأصله ونسبه، فاحذر أن تقصر في حقِّها، فهي إما شاهدة لك بالحق أو شاهدة عليك بالباطل ..
صفية الودغيري

التصنيفات:
تعديل المشاركة
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

لست ربوت

Back to top button