- الرحامنة.. روح بداوة المغرب - بالرحامنة السلاّميات.. عندما يختم الغناء بالدعاء

إعلان الرئيسية

الصفحة الرئيسية - الرحامنة.. روح بداوة المغرب - بالرحامنة السلاّميات.. عندما يختم الغناء بالدعاء

- الرحامنة.. روح بداوة المغرب - بالرحامنة السلاّميات.. عندما يختم الغناء بالدعاء

www.aljazeera.net 
في قرية أولاد ملول جنوب الرحامنة، توجد فرقة نسائية شهيرة وذائع صيتها عبر ربوع القبيلة/الإقليم، يطلق عليها اسم "السلاّميات" نسبة لأصول أفرادها التي تعود إلى فرع سلاّم من القبيلة، أو "فخذ" كما يسمى الفرع منها محليا.

تتكون هذه الفرقة من عشرين امرأة، جلّهن تخطّين الستين من العمر، يخلطن بين الغناء و"الجذبة" و"الفاتحة"، ويعني ذلك أنهن من الدرويشات اللاتي قد يشربن إناء من الماء الشديد السخونة دون أن يحرقهن لعادة يسمينها بركة نزلت بهن، والفاتحة تعني الدعاء والضراعة الجماعيين.

في بيت "الخالة رقية" حضرت "مجلة الجزيرة" زيارة السلاّميات السنوية لبيتها، وهي تقليد دأبت مع زوجها -وحتى بعد وفاته- على الالتزام به.

لهذه الزيارة أصول لا تتجاوز، فتخصص وسيلة نقل للسلاّميات، وتقام لهن وليمة تليق بقدرهن المحترم. عندما وصلت السلاّميات بيت الخالة رقية، كانت ابنتها وأبناؤها الستة وزوجاتهم، وحفيداتها وأحفادها الذين يتعدى عددهم الأربعين، في استقبال موكبهن.

تتمتع الخالة رقية بصحة جيدة، لكنها لم تعد تقوى على الحركة فلم تخرج للقاء السلاّميات "صاحباتي" كما تناديهن، ونابت عنها ابنتها حبيبة (62 عاما) في حمل الصينية التي حملتها لعقود أمام الباب الكبير لبيتها الطيني المترامي الأطراف.

تضم الصينية باقة أزهار قطفت من جوانب الدار "مشموم النوار" كما يسمى، ومرشة عطر فضّية، وإناء به تمر وقطع من السكر. وبينما كانت السلاّميات قد بدأن عند الباب يرددن اللازمة التالية "جينا سالمين، ويا رقية جينا سالمين، السلاّميات سلموا لينا"، وعبر هذه الأغنية يؤكدن أنهن وصلن بخير وسلامة من قريتهن إلى بيت الخالة رقية.

تبدأ حبيبة برشّهن بالعطر، وتقطع الغناء العناقاتُ وعبارات الترحيب، ليستأنف وصولا إلى "القبّة" (صالون الاستقبال) حيث الخالة رقية بانتظار الجميع. يبدأ لاحقا توزيع كؤوس الشاي المغربي الشهير الذي تتضاعف لذته في الرحامنة لأنه يعد على الجمر، وبنعناع قطف من حقولها. وتوضع أواني الفطور، ويتكون من الخبز المعد بيتيا في أفران طينية، وسمن وزبد من أبقار المنطقة، وزيت زيتون عُصر في معاصر الرحامنة.

من حينه وإلى أن يحين موعد وليمة الغداء، يستمر غناء العيطة الحوزية، والمرددات المحلية التي تخرج عن فن العيطة فتسمى بـ"غنا الدوار، غناء القرية". ولأن خبر وصول السلاّميات سرى كانتشار النار في الهشيم، تبدأ نساء القرية مرتديات قفاطينهن الجميلة -مع بناتهن وأطفالهن- في التوافد على بيت الخالة رقية. عائلة هذه الأخيرة تكون قد وضعت في حسبانها حضور هذه الأعداد، فتفسح لها أمكنة ويتوسع مجلس السلاّميات حتى يمتد خارج "القبّة" إلى الدويريّة التي نصبت حولها خيمة صغيرة تقي الجلوس من حرارة شمس الرحامنة اللاهبة.

كانت صوان تحمل كؤوس الشاي المغربي المميز وأخرى تحمل الحنّاء (الجزيرة)
يصمت الغناء لأجل غداء الوليمة، وقد ذبحت لأجله خراف وأعدت له دجاجات ربّين لأشهر في خمّ الدار. بعده تدار كؤوس أتاي (الشاي) من جديد ويستأنف الغناء، وتبدأ نساء القرية في رمي "البياض" وهو ما يجُدن به من مال، ولا يهم قدره، ولا يسأل عنه بقدر ما تهم بركة العطاء فيه، وتطلب كل واحدة منهن أن تغنى عليها أو على زوجها أو أبنائها أو أي عزيز عليها أغنية ما، وتتناوب السلاّميات في إبهار الجمع بالغناء والعيوط والضرب والرقص أيضا عندما يحمى الجو، فتبادلهن نساء القرية سخاءهن ويرضين رغبة الغناء والرقص لديهن فيتشاركن معهن فيه.

وبين غناء وغناء، يتوقف الجمع ليرفع الجميع دون استثناء -حتى الأطفال- أكفّ الضّراعة لأجل كل ذات حاجة بين الحضور. سألنا حبيبة عن الأسماء التي سمعناها منهن ويتوسل بها في الدعاء كـ"البرابيش ورجال سلاّم وفاطنة بنت أحمد"، فقالت "إنهن يستدعين بركة الأجداد في فاطنة بنت أحمد، والأصل الطيب في فرعي البرابيش وسلاّم من القبيلة". وفي ردها عما إن كان من الشرك أن يتوسل في الدعاء بغير الله وهو المدعو أيضا، قالت "هن يتوسلن بالبركة الجماعية والأصل الطيب في التوجه بالدعاء إلى الله، لا يؤمنّ بغيره، لذا ليس كفرا، الله وهبهن قلوبا عظيمة لذا يطلب منهن الجميع أن يدعين لأجلهن لا لأنهن سيحققن شيئا لهن، أو لأن لهن وساطة مع الله، أستغفر الله، بل إننا نتحفز جميعا لنخلص وإياهن نية الدعاء، وبهذه النية الصافية والطيبة والجماعية ندفع ونتوسل".

خلال ذلك كانت صينيات أخرى توزع، هذه المرة كانت تحمل أواني ضمّخت بالحنّاء التي تفوح منها رائحة الورد البلدي والقرنفل، وتحمل أواني تضم "الحركوس" وهو تجميلي يعدّ بيتيا ويستعمل لأجل الحواجب وله رائحة زكية، كما تحمل مرشات العطر، والكحل الذي أعدّ بيتيا وله لون مميز بين الأسود والرمادي، لكنه لاذع "يخرج من العين أمراضها" كما قلن في القرين.

"وا هذي فاطمة راها في الدويريّة، وا هذي فاطمة راها في دار بّاها والعسّة عليها" كانت واحدة من المقطوعات التي ظلت عالقة بذهني وتتحدث عن الشابة المصون في بيت أبيها، عزيزة الدار.

مقطوعة أخرى كانت تصف العروس فتقول "خارجة ضاوية من بين الغمام سالفها مرشوش بالعطر"، أي أنها تخرج من بين غمام الحمام البلدي، يضيء جمالها، بينما يحمل شعرها الطويل رائحة الورد البلدي.

لقد كان غناء فيه رهافة شعرية بديعة، وكان الانتقال بين أغان في كثير منها وصف للجانب الحسي في العلاقة الجسدية بين الرجل والمرأة، في لمحات مرموزة لكن موحية ومثيرة، وبين الدعاء المخلص بالصحة والخير والسلام والرزق، خيط ناظم ليس منطقيا وليس مطلوبا أن يكون، بل يشعر بالدفء والسلام والإخلاص والصفاء الذي تحس به عندما تكون أمام الجداول الرقراقة.

التصنيفات:
تعديل المشاركة
Back to top button