( التافهون الجاحدون هم الذين يتنكرون لكل بسمة ولكل نسمة ولكل ضحكة ولكل كلمة ولكل يد مدت إليهم وساهمت بمقدار ما في ما يشعرون أنه كان حافزا ومعينا).
أعلنت عليك هذا الحب من "نافذة القمر الأحمر" لما كان "عرشه على الماء":
(أنوال فينيقية الملامح ..ريفية الهمة
يامغناجا ..متى تقيمين عرسك؟
آتيك بالقرابين فجرا
مع صيحة الديك
أحمل أرغفة خبز وملح
تتسللين ، وأبقى وحيدا
أحرث تراب الأزقة الصماء)
(عمر والقاضي)
1. خجولا أطل من وراء نافذة الأربعاء :
كان عبد الرفيع جواهري الشاعر والصحفي والمحامي ورئيس اتحاد الكتاب السابق والعضو السابق بالمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي يطل في أواسط الثمانينيات كل أربعاء من نافذة خاصة به بجريدة ” الاتحاد الاشتراكي ” أيام كان الحزب معارضا يشغل الناس بأصوات برلمانييه التي تجلجل في قبة البرلمان ، وبالذراع الصاعقة لمركزيته النقابية العتيدة آنذاك الكدش.
وعلى صفحات جريدته الواسعة الانتشار ، كانت كتابات جواهري ساخرة لاذعة في نقد وزراء الحكومة، وعلى رأسهم صاحبه ” بوكرفادة ” الذي لم يكن سوى الوزير الأول آنذاك عز الدين العراقي. وبطبيعتها تلك، فقد كانت هي الأخرى تلقى استهلاكا كبيرا من طرف جمهور عريض من المناضلين والمواطنين المتتبعين على السواء..
وأذكر أن أولى الخطوات التي قادتني إلى جحيم الصحافة اللذيذ ولو من بُوَيْبَتِها الضيقة كمراسل لإحدى الجرائد الوطنية الشهيرة، كانت رسالة بكرا عذراء بعثتها إلى الأستاذ عبد الرفيع جواهري في صيف أواسط الثمانينات تحت عنوان ” خجولا أطل من وراء نافذة الأربعاء ” ونشرت بالصفحة الأخيرة لجريدة "الاتحاد الاشتراكي"، الصحيفة الأكثر انتشارا في ذلك الوقت. عبرت من خلالها عن عتاب دافئ للأستاذ جواهري حينما فضل أن ينصرف في ذاك الصيف الحار حرارتين :حرارة الله وحرارة المخزن، إلى الإسهاب لدرجة الضجر في الحديث عن خصمه ” بوكرفادة “في الوقت الذي كان المخزن بكل طواقمه : عماله وباشواته وقواده وشيوخه ومقدميه يغير في حرب ضروس على الشعب المغربي ليدفع ” الجزية ” مكرها لبناء المسجد الذي يعرف اليوم بمسجد الحسن الثاني. وبالقدر الذي أحسست فيه بما يشبه الاعتداد بالنفس بإقدام الجريدة إياها على قبول نشر مادة في موقع متميز وبخط بارز لشخص مغمور ولا علاقة تنظيمية تربطه لا بالجريدة ولا بالحزب، بالقدر نفسه امتعضت نفسي من الأستاذ جواهري، لكنها ظلت منشدة للشاعر جواهري، الذي استهوتنا كلماته في ” ميعاد ” ورفعنا إلى السموات السبع ب ” رموش ” ساحرة في ليلة ” القمر الأحمر ” التي كانت فيها "سعيدة بنت مراكش" ” راحلة ” مع "جارة وادينا"في الأعالي إلى ” قصة الأشواق “.
و ساءني ما كان المخزن فاعلا بشعبه العزيز، واستحضرت ما ردده الشاعر عبد الله زريقة:
وأنا عجبت كيف يصرف مال الفقراء
في شراء جلد السياط وبناء بركة المتوكل
وأنا لا أستحيي ولا أتصبب عرقا
حين أرى قريش تدفع الجزية مرغمة
وتبيت طاوية البطن من الجوع
عجبت لمن دوخه الجوع فلا يخرج على الناس شاهرا سيفه
"التلفزة المدرسية وأحمد الأخضر غزال والعقم البيداغوجي":
كان العالم اللغوي الأستاذ أحمد الأخضر غزال، الذي كان عضوا بأكاديمية المملكة ومديرا سابقا لمعهد الأبحاث والدراسات اللغوية، يقدم برنامجا تربويا تعليميا على شاشة القناة الأولى يحمل عنوان "التلفزة المدرسية". وقد بدت لي ـ أو هكذا تخيلتها وأنا في بداية مشواري المهني التربوي التعليمي ـ منهجيته في التدريس، تقليدية لا تختلف عن منهجية فقهاء الجوامع. فتسلحت بشيء من "السنطيحة" وتطاولت على هذا العالم المغربي اللغوي، لما أرسلت "مقالة" نقدية في الموضوع إلى جريدة الاتحاد الاشتراكي، عنونتها ب" التلفزة المدرسية والأخضر غزال والعقم البيداغوجي". ولما لم تتردد الجريدة في عز قوتها وانتشارها في اقتطاع مساحة من إحدى صفحاتها ونشرها لهذا المعلم المبتدئ النكرة الذي هو أنا، انضافت إلى نفسي بعض جرعات الثقة التي سيتقوى منسوبها مرة أخرى، لما أنجزت شبكة للكلمات المتقاطعة، وبعثتها إلى نفس الجريدة في منتصف الثمانينيات، وبينما أنا جالس في إحدى مقاهي مراكش،فوجئت بظهورها على الصفحة التي كان معظم المغاربة ينهمكون على انفراد أو مجتمعين في المقاهي في حل الشبكات التي عادة كان يشرف عليها واحد ممن اقترنت باسمه والأمر يتعلق ب" أبو سلمى". غمرني شعور داخلي جميل وأنا أرى رواد المقهى يجتهدون في إيجاد حلول لتلك الشبكة التي وضعتها يسارية خالصة بامتياز لما اشتملت عليه من شخصيات وأحداث لا تخرج عن دائرة يسار ذلك الزمن الدافئ الصاخب الجميل.
"أعلنت عليك هذا الحب":
لم يكن الإعلان عن هذا الحب سوى عنوان لقصيدة جميلة صاخبة ناعمة للشاعر الراحل عبد الله راجع.شاءت الصدف أن يكون فاتحة لأول مقالة نشرت لي سنة 1992 على جريدة ” أنوال ” لسان منظمة العمل الديمقراطي الشعبي ، والتي ولدت في المنفى بفرنسا سنة 79 في كنف ” منظمة 23 مارس ” وسماها المناضل محمد بنسعيد وتحمل إدارة النشر بها المرحوم الحسين كوار ورأس تحريرها طالع سعود الأطلسي وسهر على تربيتها رفاق تقاسموا شظف العيش في المنافي والسجون وفرقتهم مقالب المخزن وألاعيبه.
ولأن أنوال مدرسة قبل أن تكون صحيفة وطنية ذات مقروئية ومصداقية لما يخط على صفحاتها من مداد لأقلام من المفكرين والمثقفين والمناضلين، فقد حببت إلي الكتابة كتلميذ يتلمس خطواته الأولى لتعلم حروف الهجاء.
كل الشكر والامتنان لجريدة "الاتحاد الاشتراكي" زمن الاتحاد الاشتراكي الذي كان. شكرا لأنوال معلمتي زمن المنظمة التي كانت..
" سلاما يا ربيعا راحلا في الجفن! يا عسلا بغضتنا
ويا سهر التفاؤل في أمانينا"
(م/ د)


لست ربوت