من ذاكرة رجل ودوار اسمه الشيخ علي: (الجزء الأول): الشيخ السي علي: شيخ الشيوخ الذي اصطفاه القائد العيادي وفضله على باقي شيوخه الثمانية والعشرين بقلم التابي عبد الكريم

إعلان الرئيسية

الصفحة الرئيسية من ذاكرة رجل ودوار اسمه الشيخ علي: (الجزء الأول): الشيخ السي علي: شيخ الشيوخ الذي اصطفاه القائد العيادي وفضله على باقي شيوخه الثمانية والعشرين بقلم التابي عبد الكريم

من ذاكرة رجل ودوار اسمه الشيخ علي: (الجزء الأول): الشيخ السي علي: شيخ الشيوخ الذي اصطفاه القائد العيادي وفضله على باقي شيوخه الثمانية والعشرين بقلم التابي عبد الكريم


(عندما نغوص في قعر الذاكرة، نشعر حقا بمتعة الغوص):

ليستطيع أحد أن يكون الذراع اليمنى للقائد العيادي في زمنه الصاخب المليء بالحكايا التي تحول كثير منها إلى ما يشبه الأساطير، سواء في علاقته مع المخزن أو مع عامة الناس، فلابد أن يتوفر على ما يكفي من النباهة والدهاء والإخلاص وحضور سرعة البديهة وغيرها من المواصفات التي تجعل من حاملها شخصا يصير هو مفتاح حل أغلب أقفال القضايا التي تعرض على القائد، بل يصير العقل الموازي له الذي يفهم حركاته وسكناته ومشاعره ورغباته وردود أفعاله وانفعالاته.
ولم يحز عطف ورضا القائد العيادي من مجموع أعوانه الذين تعاقبوا على المشيخة في منطقة حكمه، سوى رجل كان بمثابة ظله الذي لازمه إلى نهاية مساره سنة 1958، هو الشيخ علي الناصري الذي يسمى الدوار القريب من ابن جرير باسمه "دوار الشيخ علي"، و لبعض نخب الدوار من أبنائه وأقربائه في ابن جرير، مكانة اعتبارية ارتبطت أساسا بمجالات الرياضة والكرة تحديدا كاللاعب الشهير السي أحمد الناصري والمسير المعروف لفترات طويلة مع فريق شباب الرحامنة السي مصطفى الناصري، إضافة إلى كل محيط الناصري كعبد الله وعزالدين ويوسف والمرحوم لاعب الشباب الأنيق خالد الناصري، وغيرهم ممن خرجوا من صلب دوار الشيخ وتدرجوا في عدة مناصب ك"بايا حماد" الذي كان محاسبا بسفارة المغرب في اليابان، والناصري امحمد بن الصغير الذي كان خبيرا اقتصاديا ملحقا بالسفارة الأمريكية بالرباط، والناصري ادريس بن الصغير المفتش الإقليمي بوزارة المالية، ورشيد عبد الرحمان الإطار الكبير بشركة "طوطال" بالدار البيضاء، والناصري بن الصغير ياسين المستشار بالمجلس الأعلى للحسابات، والناصري بن الصغير عبد العالي الأستاذ الجامعي بالمحمدية، إضافة إلى الأستاذ الناصري بن الصغير عبد الحفيظ وشقيقه عبد الغفور ، والناصري بن الصغير إبراهيم الذي يعمل اليوم بالولايات المتحدة الأمريكية، دون نسيان آخرين ممن كان فضل الدوار عليهم كبيرا وفي مقدمتهم المرحوم السي إبراهيم بناصر أول رئيس لجماعة ابن جرير في بداية ستينيات القرن الماضي، الذي قضى فترة في الدوار درس فيها القرآن في مسجده، وأوصى قبل وفاته أن يدفن مع الناصريين في المقبرة العزوزية بابن جريرفي قبة الدفين سليمان بن الصغير محمد بن امحمد بن الناصر. كما تعلم في المدرسة إياها التي بناها المرحوم الشيخ علي سنة 1952 والتي أنشئت بعد أول مدرسة بابن جرير، كثير من "المسافرية" حفظة القرآن كالسي محمد ولد الضو والسي سعيد، وآخرون منهم أستاذنا للغة الفرنسية زمن السبعينيات مولاي الطيب الزاهدي والمحامي الأستاذ عبيد عبد الصادق. ولعل أهم ما أنجب دوار الشيخ علي من فعاليات رياضية في كرة القدم بشكل خاص: امحمد الناصري الذي يعتبره أحد المهتمين بالشأن الكروي في ابن جرير، أحسن لاعب للكرة على الإطلاق عبر تاريخ ابن جرير، والسي أحمد الناصري أشهر من يعرفه جيل السبعينيات خاصة وأنه جاور الكوكب المراكشي في زمن كان من الصعب أن تتاح له ولغيره مثل تلك الفرصة. وبرز من الدوار نفسه المرحوم عبد الرحمان الكليخي (إطار بمكتب الماء) والذي كان واحدا من أمهر اللاعبين إلى جانب الأستاذ والزميل السابق في مدرسة افريقيا للبنين (الحسن بوعياد حاليا) الحاج حسن لكصير. وإذا كان من فضل في زرع البذرات الأولى للكرة في الدوار، فهو يعود للسيد عبد النبي وهو جزائري الأصل و الذي كان له شرف أول فريق للكرة بالدوار،
هو ذا دوار الشيخ السي علي الناصري الذي يكون بنيت به الدار العامرة التي كانت تسمى بدار النواصر الفقها حوالي 1910، وبعد ذلك بني جواره قرابة 44 منزلا، عاش فيه الشيخ فترة طويلة من عمره تحكي حيطانه وبعض شجيراته عن كثير من ذلك التاريخ الذي لم يكن عاديا بالنسبة لرجل ارتبط بحكم القائد العيادي وكان شاهدا على تفاصيلها الصغيرة وتفاصيل شخص العيادي وما كان يجري في القصر في ابن جرير أو مراكش، وما كان يصدر من سياسات من جانب المراقب المدني الفرنسي.
والشيخ علي الناصري هو سليل الزاوية الناصرية ب" تمكروت" الواقعة على بعد 18 كلمترا شرق مدينة زاكورة. ورد نسبه في كتاب "طلعة المشتري في النسب الجعفري" الجزء الأول ص: 120 للمؤرخ المغربي أبي العباس أحمد بن خالد شهاب الدين المعروف اختصارا ب"الناصري" والشهير بكتابه الآخر ( الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى)، حيث يعود جذر نسبه إلى جعفر الطيار بن ابي طالب. أي بين الشيخ علي وهذا الأخير ستة وثلاثين أبا، وبين نجله السي مصطفى الناصري وبين جعفر الطيار سبعة وثلاثين أبا.
ولد عام 1892 من أبيه الناصري الطاهر بن محمد الصغير بن سليمان الذي كان شيخا. تركه أبوه وهو في سن الثانية عشرة مع ثلاثة إخوة هو ثالثهم في الترتيب بعد أحمد وحمو وقبل المهدي. في دار "التوفري" أو المطمورة محل السكن الأول الذي لا يبعد عن الدوار الذي سيسمى لاحقا بدوار الشيخ سوى بحوالي 400 متر، عاش السي علي جزءا من طفولته في كنف أخيه الأكبر، كما كان للقائد عبد الحميد قائد الرحامنة وباشا مراكش قبل الاستعمار، دور في مساعدة الأخ الأكبر للسي علي ليكمل دراسته في ابن يوسف.
بعد دخول فرنسا المغرب، انخرط الإخوة الأربعة في الاشتغال في مجال الفلاحة وتجارة الحبوب، ما جعلهم محط ارتياب من طرف القائد العيادي الذي أضحى القائد الوحيد من جملة القياد الخمسة، وشكل له ذلك ما يشبه المنافسة التي لا ينبغي أن تزاحمه. فكان طبيعيا والحالة هذه أن يتعرض الأكبر لما يمكن أن يقص جناحه ويلوي ذراعيه، ولم ينفعه من ذلك سوى ما أمره به القنصل الانجليزي في مراكش الذي أشار عليه بوضع العلم الانجليزي فوق منزله حيث يصبح من المتعذر على العيادي أن يعترض سبيله أو يتدخل في شؤونه اعتبارا إلى هذا الاستقواء بالأنجليز.
سينتقل الشيخ وإخوته إلى واد زم للاشتغال في نفس التجارة بعد ما توسعت أعمالهم، وستوجدهم الصدفة متجاورين مع أحد الأعيان الذي يسمى "الشرقاوي" الذي لم يكن سوى والد وزير المالية السابق محمد الشرقاوي ( في الفترة بين 1964 و 1965) والمتحدر من مدينة أبي الجعد، والذي سيصاهر الملك الحسن الثاني حين سيتزوج شقيقته عائشة. ولما شعر الوالد الشرقاوي أن الفرنسيين سيعتقلونه، سلم ابنه مع صندوق وديعة عند آل الناصري الذين حملوه معهم إلى الرحامنة.
سيدور الزمن دورته، وسيحل ضيفا على الرحامنة ذات يوم "الفتى الوديعة" محمد الشرقاوي بعد أن اطلع على مذكرات والده، والتي تتضمن تلك الواقعة التي وقعت له في صباه بعد احتراز والده مما قد يصيبه من مكروه، وبمساعدة من آل الناصري، وسيلتقي الشيخ علي في قصر القائد العيادي، وسيتم استحضار ذلك الموقف الذي دفع السيد الشرقاوي إلى معانقة الشيخ علي. ولما تقلد مهام الوزارة، بعث إليه برسالة امتنان وعرفان لازالت ضمن عديد من الوثائق التي يحتفظ بها ابنه السي مصطفى الناصري.
ولأن صاحب السلطة أي سلطة يسعى بكل الطرق إلى تصفية من تبدو "كرموصته" قد نضجت اقتصاديا أو سياسيا أو غير ذلك، فقد تكون استمالة البعض وتقريبه من العين والأذن، أسهل طريقة في تدبير مثل تلك الملفات. وهكذا عين القائد العيادي السي حمو الناصري شقيق السي علي شيخا على اللواثة، إلا أنه رفض الاستمرار في منصبه ولما يمرَّ عليه سوى خمسة عشر يوما، فارتأى نظر القائد أن يعين واحدا آخر بدلا عنه، فاستقر الأمر على الشيخ علي الناصري بن الصغير الذي تولى المشيخة سنة 1928 والتي سيستمر فيها لمدة ثلاثين سنة. وبانقضاء حكم العيادي كقائد سنة 1958، انتهت معه أيضا مهمة مشيخة السي علي على اللواثة كذراع يمنى امتلكت كثيرا من النباهة والذكاء في تصريف سياسة القائد العيادي وفي تدبير بعض قضايا السكان ذات العلاقة معه أو مع المراقب المدني، ما جعل العيادي يفضله على ثمانية وعشرين شيخا، بل أنه كان الوحيد من بينهم الذي كان يناديه ب"السي علي"، ولا غرابة أن يكون الشيخ آخر من تناول العشاء معه قبل وفاته يوم 13 يناير 1964.
في الجزء القادم سنغوص مع الشيخ السي علي في تفاصيل مشوقة من مساره في المشيخة. (تأسيس الحركة الشعبية في قصر العيادي بحضور أحرضان والخطيب ـ تدخلاته لتسوية بعض مشاكل الناس ـ امتلاكه لحق العفو عن بعض المعتقلين ـ معرفته بجواسيس فرنسا ـ دوره في الإبقاء على الركيبات والمرابطين في أرضهم بالرحامنة ـ علاقته بالشيخ المكي الناصري ودوره في بعث مساعدات لفائدة المقاومة...إلى غير ذلك من الأحداث والحكايات المثيرة).

التصنيفات:
تعديل المشاركة
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

لست ربوت

Back to top button