أَلَا بِذِكْرِ اللهِ
تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على إمام المرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم
تسليماً كثيرا ، أما بعد أيها الإخوة ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
حديثنا أيها الإخوة حديثٌ عن
ذكر الله جل وعلا وعن قوله تبارك وتعالى : { أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } [الرعد:28] ؛ فذكر الله له شأن عظيم
وأثر كبير ومنافع عديدة لا تحصى ؛ ذكر الله جل وعلا طمأنينة للقلوب وراحة للنفوس
وهدوء للبال وسكون للقلب ، ذكر الله جل وعلا جلَّابٌ للنعم دافعٌ للنقم ، ذكر الله
جل وعلا فيه سعادة العبد وفلاحه وفوزه في الدنيا والآخرة ، وكلما كان العبد ذا
عناية بالذكر ومحافظة عليه كلما كان ذلك أكمل له في تحقيق سعادته ونيل فلاحه في
الدنيا والآخرة .
وعندما قال الله جل وعلا { أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } أي يحصل لها الطمأنينة بذلك
والسكون الراحة ؛ عندما نتأمل هذا النص الكريم وننظر إلى واقع الناس وواقع القلوب
في هذه الحياة نجد أنها يدخل عليها أمور كثيرة وتتجاذبها أهواء عديدة وتتخطفها شبَهٌ
وشهوات وفتنٌ وأهواء ، فلا يستقر القلب ولا يطمئن ولا يسكن بل يكون تائها متشتَّتا
متشرِّداً متضجراً متململاً ؛ هذه أحوال تكون في القلب تكثر وتقِلّ تكون في قلوب
الناس ، وكلها يجمعها وصف عدم الطمأنينة ، هذه الأحوال التي تنتاب القلوب يجمعها
وصف عدم الطمأنينة أي أنها قلقة ضجِرة متململة تائهة فيها الشكوك الشبهات ، يجمعها
هذا الوصف عدم الطمأنينة ، وهذه الأشياء كلها أمراض تنتاب القلب ، والقلب لا يحصل
له سكونه ولا تتحقق له طمأنينته إلا بذكر الله لا بشيءٍ آخر ؛ فإذا عمَر القلب
بذكر الله اطمأن ، وإذا غفَل القلب عن ذكر الله تبارك وتعالى داخلته تلك الأمور ، والناس
في ذلك بين مقلٍّ ومستكثر ، ولهذا قال الله تبارك وتعالى {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ } بذكره وحده تبارك وتعالى لا
بشيء آخر {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ
اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } ؛ فطمأنينة القلوب وهو راحتها وسكونها وأُنسها واستقرارها وزال القلق والضجر
عنها كل ذلك إنما يكون بذكر الله تبارك وتعالى .
وعلى هذا ؛ فذكر الله حياةٌ
للقلب ؛ يحيا به القلب حياةً حقيقية حياةً مطمئنة حياةً ساكنة حياةً عامرةً بالأنس
والراحة والطمأنينة ، وبدون ذكر الله تبارك وتعالى يموت القلب ، ولهذا جاء في
الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((مَثَلُ
الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ
وَالْمَيِّتِ )) فشبَّه صلوات الله وسلامه عليه الذاكر لله بالحي ، وشبَّه الغافل
عن ذكر الله بالميت ، وفي لفظ آخر للحديث في صحيح مسلم يقول صلى الله عليه وسلم : ((مَثَلُ
الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ
اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ)) ؛ فشبَّه صلوات الله وسلامه عليه
بيوت الذاكرين لله ببيوت الأحياء ، وبيوت الغافلين عن ذكر الله تبارك وتعالى ببيوت
الأموات التي هي القبور .
وإذا جمعْنا بين لفظي الحديث
نجد أن في ذلك تشبيهاً للذاكرين الله تبارك وتعالى الذين يعمُرون بيوتهم بذكر الله
تبارك وتعالى بالحي الذي يسكن في بيوت الأحياء ، والقسم الآخر الذي لا يذكر الله
الغافل عن ذكر الله الذي لا يُذكر في بيته الله جل وعلا فمثل من كان هذا شأنه
كالميت في بيوت الأموات ، وكأنَّ صدره أصبح مقبرةً لقلبه، دُفن قلبه في صدره لا
حياة فيه الحياة الحقيقة وإن كان يحيا حياة بهيمية ، أما الحياة الحقيقية قد ذهبت
عنه وأصبح قلبه مدفوناً في صدره ، فهم أموات وأجسادهم أصبحت بمثابة المقابر
لقلوبهم لأنهم لا يذكرون الله ؛ وهذا كله مستفاد من حديث النبي عليه الصلاة
والسلام ((مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ
الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ)) وفي الرواية
الأخرى للحديث قال : ((مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ
وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ)) .
ونستفيد من هذا أن قلوب
الناس أقسام :
v
فهناك قلب سليم { إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [الشعراء:89] ؛ فمن أقسام القلوب القلب
السليم وهو الذي سلِم من الآفات وسلِم من أن يخالطه قصدُ غير الله وخلُص القلب لله
وصفا ما فيه من أعمال فصار لا يقصد إلا الله ولا يلجأ إلا لله ولا يعتمد إلا على
الله ولا يتوكل إلا على الله ولا يصرف شيئا من العبادة إلا لله تبارك وتعالى ؛ إذا
أحب أحب في الله ، وإذا أبغض أبغض في الله ، وإذا والى والى في الله ، وإذا عادى
عادى في الله ؛ فعمله كله لله وفي الله ، قلبٌ حي قلبٌ سليم هذا شأنه في كل أوقاته
لا يداخله آفات القلوب ولا يخالطه ما يخالط القلوب من الأمراض والشبهات والشهوات
كل ذلك هو معرضٌ عنه مقبِل على ربه ذاكرٌ لربه جل وعلا ملتفتٌ إليه ليس ملتفتاً
إلى من سواه .
v
وهناك قسم ثاني من القلوب
وهو : القلب الميت ؛ وهو ذلك القلب الذي انصرف عن خالقه وموجده تبارك وتعالى وأقبل
على من سواه ، لا يلتفت إلى طاعة الله ، ولا يقبِل على عبادة الله ، ولا ينشرح
لذكر الله ، ولا يعتني بالقيام بأوامر الله ، ويتَّجه إلى غير الله تبارك وتعالى
في خوفه ورجائه ورغبه ورهبه وحبه وبُغضه ، وأصبح ملتفتاً إلى غير الله تبارك
وتعالى صارفاً أعماله وطاعته لغيره ؛ فهذا قلب مات في صدر صاحبه ، إذا سأل لا يسأل
الله ، وإذا استعان لا يستعين بالله ، وإذا توكل لا يتوكل على الله ؛ قلب ميت . فهذا
قسم .
v
وهناك قسم ثالث من أقسام
القلوب وهو : القلب الذي به حياة من جهة ومرض من جهة أخرى ؛ حياةٌ من جهة إخلاصه
لله وتوحيده له ورغبته في عبادته ونحو ذلك ، ومرض من جهة بعض الشبهات والشهوات
التي داخلت قلبه وخالطت فؤاده . وهذا شأنه أنه لمن غلب من القسمين .
هذا التقسيم الذي ذكره أهل
العلم للقلوب ينبغي أن نُفيد منه إفادة عظيمة في موضوعنا الذي نتحدث عنه وهو
طمأنينة القلب وتحقُّق حياته بذكر الله تبارك وتعالى ، فهذا الموت الذي أشرنا إليه
في القسم الثاني ، والمرض الذي أشرنا إليه في القسم الثالث الذي ينتاب القلب زواله
وذهابه وانصرافه عن الإنسان إنما يكون إذا أقبل الإنسان على الله تبارك وتعالى
وأقبل على ذكر الله بقلبه ولسانه ، فإذا زاد من الذكر زادت فيه الحياة ودبَّ في
قلبه الخير وتنامى فيه الصلاح وانصرفت عنه الشبهات والشهوات ، وإذا غفل عن ذلك
داخله المرض وخالطته الشرور .
{ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } ؛ تطمئن بأي شيء ؟ بصلتها
بربها واعتمادها على خالقها ولجوءها إليه سبحانه وتعالى دون من سواه ، من كان هذا
شأنه لا يرجو إلا الله ولا يطمع إلا فيما عند الله ولا يخاف إلا الله ولا يتوكل
إلا على الله ولا يعتمد في شئونه كلها إلا على الله ، مطمئن القلب ، الضجر الذي
ينتاب الناس والهم والغم الذي يخالط قلوبهم لا يجد سبيلاً إلى قلبه لأنه مطمئن
بذكره لله ؛ لتوحيده لربه لإقباله على سيده ومولاه سبحانه وتعالى.
وتأملوا معي أيها الإخوة
علاج النبي صلى الله عليه وسلم لمن أصاب قلبه همٌّ أو غمٌّ أو حزَن ، حتى نعرف من
خلال هذا العلاج الذي أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام قيمة ذكر العبد لله
تبارك وتعالى وصلته به سبحانه ، وكلنا يعلم أن الناس ينتابهم الهم والغم والحزن ،
يهتم الإنسان وتجد قلبه غير مطمئن عندما يصيبه الهم أو الغم أو الحزن ، وهذه الأمور
الثلاثة كما نبَّه أهل العلم أمراضٌ تدخل على القلب - الهم والغم والحزن - واحدٌ
منها يتعلق بالماضي الشيء الذي مضى ، وواحد منها يتعلق بحال الإنسان ووقته ، وواحد
منها يتعلق بما يستقبل .
§
فالحزن يتعلق بما مضى ، أمور
مضت وفاتت فيحزن على فواتها أو عدم تحققها له ، شخص دخل في تجارة فلم يربح ، أراد
أمراً معينا فلم يتحقق له فيبدأ قلبه يحزن ويدخله الحزن وربما يزيد ويتنامى في
القلب حتى يتعب ولاسيما إذا ازداد فيه الحزن واشتد في قلبه .
§
والغم عندما ينظر الإنسان
إلى يومه ووقته وأحواله ثم يجد بعض الأشياء التي في حياته فتسبب له ضجراً فيغتم
القلب يصيبه غم .
§
وإذا فكر في مستقبله وماذا
سيحدث وماذا سيكون وهل سيحصل كذا ، إذا فكر في هذه الأمور ربما يصيبه هم .
هي أمراض لا تزول عن قلب الإنسان
إلا بذكر الله ، ولا يطمئن قلب الإنسان ولا يسلم منها إلا بالله وبذكره تبارك
وتعالى ، ومن المؤسف يا إخوان أن كثير من الناس عندما يدخل على قلبه هذه الأمور الهم
والغم والحزن يتطلَّب علاجها ويرجو شفاءها بدون تعويلٍ أو رجوعٍ إلى ذكر الله
تبارك وتعالى أو اعتماد عليه !! بل إن بعض الناس ليفعل أموراً تزيده غما على غم
وهمًّا على هم وحزنًا على حزن ؛ يفعلها بزعمه لتسلية قلبه وذهاب الحزن عن قلبه
وربما تعاطى أموراً محرمة وفعَل أموراً قبيحة بزعمه أنه يريد أن يطرد عن قلبه الهم
أو يُذهب عنه الغم أو يبعد عنه الحزن ؛ وهيهات ثم هيهات أن يحصِّل القلب سونه
وطمأنينته بالقبيح والباطل والمحرم والضلال ، بل لا يحصِّل طمأنينته إلا برجوعه
إلى الله .
الهموم والغموم والأحزان
تنتاب الناس بكثرة لكن كيف تعالج ؟! انظروا إلى كلام النبي صلوات الله وسلامه عليه
في كيفية معالجة الإنسان للهم والغم والحزن ؛ قال عليه الصلاة والسلام ((مَا أَصَابَ
أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ
عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ
قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ
عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ
اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ
رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلَّا
أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا )) هكذا يقول
عليه الصلاة والسلام ؛ يزول الهم والغم والحزن ويصب بدَل ذلك فرح ، يصبح القلب فرِحاً
.
هذا الفرح كيف يحصل للقلب
وكيف يتحقق للقلب ؟ إذا كان الإنسان في الهم والغم والحزن وأتى بهذا الدعاء ألفاظاً
مجردة وكلمات لا يتدبر معناها ولا يتأمل في مقتضاها ولا يحقق مضمونها ومقصودها لا
يكون لها أثرها عليه؛ لأن هذه الأذكار والدعوات المباركة ليست مجرد ألفاظ يقولها
الإنسان أو كلمات يتلفظ بها بدون مضمون ولا معنى ، بل هي كلمات ينبغي على من
يقولها أن يتعايش مع معناها وأن يتدبر في دلالتها ومقتضاها .
فعندما يصيب الإنسان الهم
والغم والحزن فيأتي بهذا الدعاء ويأتي بهذا الذكر العظيم ؛ فيبدأ بالانطراح بين
يدي الله واللجوء إلى الله والتذلل له سبحانه وتعالى ، يبدأ أول ما يبدأ وفي قلبه
الغم ويريد أن يطرده فيقول : (( اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ )) هذه البداية اعتراف
بأنه عبد لله تبارك وتعالى ، خالقه ورازقه وموجده والمتصرف في شؤونه هو الله فهو
عبد لله بمعنى معبَّد مذلَّل لله ، الله الذي خلقه وأوجده ، وعبدٌ لله بمعنى عابد أي
ممتثل لأمر الله مطيع له جل وعلا قائم بما خلقه الله تبارك وتعالى له ؛ فيقول ((اللهم
)) يتوسل إليه بألوهيته سبحانه وتعالى .
(( اللهم إني عبدك وَابْنُ
عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ )) أنا عبد لك ، وآبائي إلى آدم عبيد لك ، فأنا ابن عبدٍ
لك وابن أمةٍ لك ، بمعنى أنا وآبائي وأجدادي إلى آدم وإلى حواء كلنا عبيد لك أنت خالقنا
أنت ربنا أنت مدبر شئوننا لا رب لنا سواك .
(( نَاصِيَتِي بِيَدِكَ )) الناصية
مقدَّم الرأس ، ((ناصيتي بيدك )) : لا أملك من أمري شيئا إلا بمشيئتك وقدرتك ؛ فإن
شئتَ حياتي تحققت لي الحياة ، إن شئتَ سعادتي تحققت لي السعادة ، إن شئتَ صحتي
وعافيتي تحققت لي الصحة والعافية ، إن شئت غناي تحقق لي الغنى ، إن شئت سوى ذلك من
مرض أو فقر أو غير ذلك تحقق لي ذلك ؛ ناصيتي بيدك والأمر كله بقضائك وقدرك ، فالأمر
كما قيل :
مَـــــــــا شِئْتَ كَانَ
وإنْ لم أشَأْ وَمَـــا شِئْتُ إن لَمْ تَشأْ لَمْ يكنْ
خَلقْتَ العِبَادَ على مَا عَلِمْتَ وَفِي العِلْمِ يَجري الفَتَى وَالْمُسِنْ
عَلَى ذَا مَنَنْتَ ، وَهَــــذا خَذلْتَ وهـــــــذا أعنتَ ، وذَا لم تُعِنْ
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ ،
وَمِنْهُمْ سَعِيد وَمِنْهُمْ قَبِيحٌ ، وَمِنْهُمْ حَسَنْ
((ناصيتي بيدك )) أنت الرب
السيد المدبر ، وأنا عبد مملوك لا حول لي ولا قوة إلا بك ، كما في دعوة المسلمين
التي هي كنز من كنوز الجنة (( لا حول ولا قوة إلا بالله )) يعني لا تحوُّل من حال
إلى حال ولا حصول قوةٍ للعبد إلا بالله تبارك وتعالى فيقول (( ناصيتي بيدك )) .
(( مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ ))
أي حكم تحكم به علي يمضي لا يرده أحد ، لأن قضاء الله جل وعلا نافذ ، لا رادَّ
لقضائه ولا معقِّب لحكمه سبحانه وتعالى ((ماض في حكمك )) ما تحكمه فيَّ بحكمك
الكوني القدري لابد أن ينفذ ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .
((عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ ))
فأنت عدل يا الله لا تظلم الناس مثقال ذرة ، ((عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ )) فكل قضاء
تقضيه فهو قضاء عدل وحكم عدل .
ثم يبدأ يتوسل إلى الله
بأعظم وسيلة ، يتوسل إلى الله تبارك وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العظيمة (( أَسْأَلُكَ
بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ )) يعني أسألك بجميع أسمائك يا الله . ومن المعلوم أن
أعظم الوسائل التي يتوسل بها الإنسان إلى الله توسله إليه بأسمائه وصفاته ، قال
الله تعالى {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } [الأعراف:180] ، وقال تعالى {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا
مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } [الإسراء:110] ، وقال {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ
الْحُسْنَى} [طه:8] ، وقال {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا
إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ
(22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ
السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ
الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر:22-24] .
فبدأ العبد يتوسل إلى الله
بأسمائه الحسنى ((أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ
أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ
اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ )) أنا أسألك بكل أسماءك الحسنى
، أتوسل إليك بكل أسمائك .
بدأ الطلب الآن (( أَنْ
تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي )) قلبه ماذا فيه هذا السائل ؟ فيه هم وحزن
أشغله أتعبه أمرضه يريد أن يزول فبدأ بهذه الوسائل ثم طلب من الله ((أَنْ تَجْعَلَ
الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي )) بأن يصبح عامراً بالقرآن منشغلاً بالقرآن مقبلاً
على القرآن ، فإذا عمَر القلب بالقرآن وانشغل بالقرآن لا يبقى فيه هم ولا غم ولا
حزن لأنه لم يصبح في القلب مكانٌ للهم ولا للغم ولا للحزن ، لو أراد الهم والغم
والحزَن أن يدخل إلى قلبه ويُذهب عنه الطمأنينة لا يجد مكاناً لأنه عمر امتلأ
بالقرآن بالذكر لله .
((أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ
رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي )) تأملوا
هنا لما ذكر القلب قال ((ربيع قلبي )) ولما ذكر الصدر قال ((نور صدري )) ؛ فذكر
الربيع وذكر النور ، الربيع : النماء والنبات والحياة والزيادة ، ومعلوم أن حياة
جسم الإنسان وصلاحه واستقامته تنبع من القلب ، كما أن النباتات والأشجار نماءها وحياتها
تنبع من أصلها ، وإذا صلح القلب صلح الجسد ولهذا قال (( اجعل القرآن ربيع قلبي ))
يعني اجعله سَقْياً للقلب ، اجعله لقلبي مثل الماء الذي يُسقى به النبات ، أرأيتم
النبات إذا حُجِب عنه الماء ومُنع عنه القطر ماذا يحصل له ؟ يموت ولا يبقى فيه
حياة ، وإذا سُقي بالماء وأُوصل إليه الماء دبَّ في النبات الحياة ، قال الله
تعالى {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ
قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا
كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ
فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ } [الحديد:16-17] آية ؛ عندما ترى النبات يصل
إليه الماء فتدبُّ فيه الحياة ، القلب شأنه كذلك ولهذا قال : ((اجعل القرآن ربيع
قلبي )) يعني اجعل القرآن سقياً لقلبي ،
تُمِدُّ به حياة قلبي ، ولهذا سمى الله تبارك وتعالى الوحي روحاً في آيات كثيرة في
القرآن منها قوله تعالى { أَتَى أَمْرُ
اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ
أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ} [النحل:1-2] ، وفي الآية الأخرى قال
الله تبارك وتعالى {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا } سمى الوحي روحاً {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا
مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا
نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ } [الشورى:52] ، فالقرآن روح يحيا بها القلب ، والسائل في هذا
الحديث سأل الله تبارك وتعالى أن يعمُر قلبه بالقرآن والذكر لله حتى يذهب عنه ما
يجد (( أن تجعل القرآن ربيع قلبي ))
بالنسبة للقلب قال (( ربيع
قلبي )) ، ولما ذكر الصدر قال (( ونور صدري )) ؛ أي اجعل في صدري نوراً بعنايتي
ومحافظتي على القرآن الكريم ، وهذا يدل على أن القرآن وذكر الله تبارك وتعالى يعمر
القلب بالنور ، يضيء القلب ويُشرق ويتوقَّد بالنور والإضاءة والوضاءة والحسن والبهاء
. ((ونور صدري )) يعني اجعل صدري عامراً بالنور بالمحافظة على كتابك .
أيها الإخوة أرأيتم قلباً
ربيعه القرآن ونوره القرآن - القرآن ربيعه والقرآن ضياؤه - من أين يجد الحزَن
والغم والهم إلى مثل هذا القلب سبيلاً ؟ لكنَّ ضعف الإيمان وضعف الصلة بالله تبارك
وتعالى يقلِّل في الإنسان هذا الأمر ويُضعف فيه هذا الجانب حتى يجد الغم والهم
والحزن إلى القلب سبيلا ، فإذا وجد الهم والغم والحزن إلى القلب سبيلاً ذهب عن
القلب طمأنينته وأصبح ضجِراً ملولاً مرتاباً متشككاً إلى غير ذلك .
(( أن تجعل القرآن العظيم
ربيع قلبي ونور صدري وَجِلَاءَ حُزْنِي )) أي : مُذهِباً لحزني غاسلاً له مُبعِداً
له عن قلبي تماماً (( أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني )) أي
يجلوا ما في قلبي من حزن فلا يبقى له بقية .
فإذا سأل العبد ربه تبارك
وتعالى هذا السؤال ولجأ إليه هذا اللّجوء واعتمد عليه هذا الاعتماد لا يبقى في
قلبه هم ولا غم ولا حزن ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : (( إلا أذهب الله همه
وغمه وأبدله فرحا )) .
لما سمع الصحابة هذا الحديث
سألوا النبي عليه الصلاة والسلام ؛ قالوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا
نَتَعَلَّمُهَا ؟ -هذا الدعاء ألا نتعلمه - قال ((بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ
سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا )) دعاء عظيم وهو ذكر لله سبحانه وتعالى وهو لجوء
إليه سبحانه .
شاهدنا أيها الإخوة من هذا
الحديث العظيم : هو قيمة الذكر وعِظم أثره على القلب في تحقيق الطمأنينة وتحقيق
الراحة والسكون والأنس وذهاب الهموم والغموم والأحزان .
وفي هذا المقام لا ينبغي لنا
أن ننسى المصدر الذي يدخل من خلاله على القلب ما يفسده طمأنينته ، فهناك مصدر أو
أكثر إذا تسلَّل إلى القلب ووصل إليه أفقده الطمأنينة ، ولهذا من أراد لقبله
الطمأنينة يحتاج إلى أن يعالج في نفسه هذا الجانب الخطير وهو : أن يحذر تمام الحذر
من المصادر التي تُدخل على قلبه عدم الطمأنينة أو تُذهب عن القلب الطمأنينة . والله
جل وعلا أخبرنا بأن لنا عدو ، وهذا العدو يرانا ولا نراه ويجري من ابن آدم مجرى
الدم من العروق ، وأخبرنا أن هذا العدو شديد العداوة للإنسان ، شديد الحرص على صدِّه
عن طاعة الله ، شديد المكر والاحتيال ، لديه مخططات كثيرة وحيَل متنوعة وأساليب
كثيرة للصد عن سبيل الله وله تجارب واسعة وطويلة جداً ، من زمن آدم وهو يشتغل في
الناس ، وقد دخل أقوام وأقوام وأقوام في القبور وقد حرفهم تمام الانحراف عن دين
الله وعن عبادة الله {وَمَا يُؤْمِنُ
أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف:106] ، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف:103] ، أقوام احتال عليهم بمكره
ودخل عليهم بدهائه فصرفهم عما خُلقوا له وأبعدهم عن القيام بما أُوجدوا للقيام به
وتحقيقه ، فالله عز وجل حذَّرنا من هذا العدو وقال {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً } [فاطر:6] ، وأخبر سبحانه وتعالى أن
هذا العدو يأتي للإنسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ، من جميع
الجهات {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ
خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ
شَاكِرِينَ} [الأعراف:17] هذا العدو من
مخططاته الكبيرة وأساليبه العديدة متجهٌ إلى قلب الإنسان ليصرفه عن ذكر الله تبارك
وتعالى ، فإذا انصرف الإنسان عن ذكر الله ذهبت عنه الطمأنينة ، قال الله تعالى {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ
شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [الزخرف:36] فالشيطان يتصل بقلب الإنسان
ويدخل إلى قلبه إذا غفل عن ذكر الله ، وكلما اشتدت غفلة القلب عن ذكر الله تبارك
وتعالى اشتد خلوص الشيطان ودخوله على قلب الإنسان ، ولا سبيل للإنسان للتحصُّن من
هذا العدو إلا بذكر الله جل وعلا ، ولهذا جاء في الحديث الذي في المسند في قصة أمْر
الله تبارك وتعالى ليحيى ابن زكريا عليهما السلام ؛ أمَره بخمس كلمات وأمَره أن
يأمر قومه بهن ، قال في الخامسة منها - يحي قال
لقومه ممتثلاً أمر الله - قال لهم : ((وَآمُرُكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ كَثِيرًا ، وَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ طَلَبَهُ الْعَدُوُّ
سِرَاعًا فِي أَثَرِهِ فَأَتَى حِصْنًا حَصِينًا فَتَحَصَّنَ فِيهِ ، وَإِنَّ
الْعَبْدَ أَحْصَنُ مَا يَكُونُ مِنْ الشَّيْطَانِ إِذَا كَانَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ
عَزَّ وَجَلَّ )) هذا مثل للذي يذكر الله تبارك وتعالى ؛ مثله مثل رجل دخل في حصن
حصين ليس للعدو مدخل عليه في ذلك الحصن . هذا مثل الذاكر لله ، ولهذا سمى عدد من
أهل العلم كتبهم التي اُلفت في الذكر سموها بالحصن الحصين أو حصن المسلم أو نحو
ذلك من الأسماء ، لأن المسلم بذكر الله تبارك وتعالى يُحصِّن نفسه ويحصِّن قلبه ويُحصن
بيته ، جاء في الحديث أن الإنسان إذا دخل بيته ولم يقل بسم الله قال الشيطان
أدركتم المبيت ، وإذا دخل بيته وبدأ يأكل ولم يقل بسم الله قال الشيطان أدركتم
الطعام ؛ بمعنى أن الإنسان عندما يلازم ذكر الله في دخوله وخروجه وطعامه وشرابه
وركوبه ونزوله وسائر أحواله ما يجد الشيطان إلى قلبه سبيلا ، هذا معنى قول الله
تبارك وتعالى {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ
شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } .
إذاً فالإنسان عندما يذكر
الله تبارك وتعالى لا يلقى عنده الشيطان ولا يجد الشيطان إليه سبيلا . جاء في
الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَدْخُلُ
بَيْتًا تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ )) ، وجاء في الحديث أن من قرأ آية
الكرسي في ليلة أو في الليل لم يزل عليه من الله حافظاً ولا يقربه شيطان حتى يصبح
. وجاء في الحديث أن الرجل إذا أتى أهله وقال عند إتيانه بسم الله اللهم جنِّبنا
الشيطان وجنِّب الشيطان ما رزقتنا ثم كُتب له ولد لا يقربه شيطان ؛ كل هذه تحصينات
وتعوذات والتجاء واعتصام بالله تبارك وتعالى من هذا العدو .
وجاء في الحديث (( من قرأ
بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه )) أي تكفيانه ....... بالاستعاذة
بالله تبارك وتعالى من هذا العدو {وَإِمَّا
يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت:36] ، {وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ
بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ } [المؤمنون:97-98] ، {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ
(3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ
النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6 ) } [سورة الناس] . قال ابن عباس رضي الله
عنهما في معنى قوله {الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} : " هذا الشيطان إذا
غفل الإنسان عن ذكر الله وسوس - يعني الشيطان - وسوس للإنسان ، فإذا ذكر الإنسان
الله خنس - يعني ذهب وابتعد - " .
ولهذا يحتاج الإنسان ليذكر
الله دائماً وأبداً حتى يخنس عدو الله وينطرد ويبتعد عن الإنسان ، أما أن يبقى
الإنسان في غفلته وأن يستمر في إعراضه وأن يداوم على صدوده ومع ذلك كله لا يريد أن
لا يصل إليه الشيطان وأن لا يخلص إليه هذا العدو فهذا غير ممكن ، ولهذا يحتاج
الإنسان أن يرتبط بالله تبارك وتعالى وأن يعتمد على الله وأن يعتصم بالله وأن يكون
دائماً لاجئاً إلى الله عز وجل حتى لا يجد الشيطان إليه سبيلا ، ولا سبيل للشيطان
على من كان معتصماً بالله {وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [آل عمران:101] لا سبيل للشيطان عليه .
كان عليه الصلاة والسلام
يقول في دعائه - كان يقوله في الصباح
والمساء وعند النوم – (( اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ
وَمَلِيكَهُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ
وَشِرْكِهِ وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ))
تعوَّذ من الشر مصدره ونتيجته ، فقوله : ((شر نفسي وشر الشيطان وشركه )) هذا تعوذ
من مصدر الشر : النفس الأمارة بالسوء والشيطان الرجيم ، وآخر الحديث تعوذٌ بالله
من نتيجة الشر ((أن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم )) ؛ فهذا كله ذكر لله والتجاء
إلى الله عز وجل واحتماء به جل وعلا من مصادر الشر ونتائج الشر .
فالشيطان يكثِّف حملاته ويوجِّه
رماحه وسهامه إلى قلب الإنسان ، ويُكثف الجهود حتى يُذهب عن هذا القلب الذكر ،
فإذا ذهب عنه الذكر ذهبت عنه حياته ومات ، ولهذا لا يزال يحرص على أن يوسوس وينفث
في القلب ويُدخِل وساوسه وشكوكه على القلب ، يحرص على ذلك إلى أن يموت القلب ، إذا
مات اتجه إلى غيره لا يبقى معه ، إذا مات انتهى ؛ ابن عباس رضي الله عنه قالوا له
: تزعم اليهود أن الشيطان لا تأتيهم في صلاتهم - يعني الواحد منهم في صلاته ما
يدخل عليه أشياء وتفكيرات - فقالوا له تزعم اليهود أن الشيطان لا يوسوس لهم في
صلاتهم ، قال: " وماذا يريد الشيطان بقلبٍ ميت ؟ " القلب الميت انتهى ، لكنه
القلب الذي فيه حياة فيه إيمان يبدأ يداخله ويبدأ يحرص على أن يصدَّه وأن يُدخل عليه
الوساوس ، ولهذا يحتاج الإنسان أن يكون في جهاد دائم ومستمر حتى يقيه الله تبارك
وتعالى من شر الشيطان ، والله تبارك وتعالى يقول : { وَالَّذِينَ
جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ
الْمُحْسِنِينَ } [العنكبوت:69]
مما ذكره العلماء في الذكر
وفوائده في تحقيق طمأنينة في القلب : ما قاله بن القيم رحمه الله عندما عدَّد
فوائد الذكر - وهذه خذوها فائدة مهمة – ابن القيم رحمه الله له كتاب بعنوان "
الوابل الصيب" ، هذا الكتاب ينبغي أن
نقتنيه وأن نستفيد منه " الوابل الصيب " ومعنى الوابل الصيب يعني المطر
النافع . هذا الكتاب يتميز بمميزات كثيرة من أهمها : أنه أخذ يعدِّد فوائد الذكر ،
الفوائد التي يجنيها الإنسان عندما يكون ذاكراً لله ، فذكَر رحمه الله أكثر من
سبعين فائدة ، فائدةً تلو الفائدة ، وأنت عندما تقرأ هذه الفوائد العظيمة يزداد إقبالك
على ذكر الله ويعظم حرصك على القيام بذكره سبحانه وتعالى .
من ضمن هذه الفوائد التي
ذكرها قال : " من فوائد الذكر أنه يجمع المفترق ويفرِّق المجتمِع " ،
هذه فائدة من فوائد الذكر ؛ يجمع المفترق : هناك أشياء مفترقه أو متعددة القلب
بحاجة إليها وإذا اجتمعت في قلبه اطمأن ، ولا يجمعها في قلبه إلا ذكر الله والصلة
به والاعتماد عليه ، فالذكر يجمع أموراً مفترقة ؛ عندما يذكر الإنسان ربه يطمئن
القلب ، تتحقق له السعادة ، يُقبِل عليه الخير ، يشعر بالراحة ، تجتمع فيه أشياء
كانت متفرقة ليست موجودةً فيه ، جامعها الخير ، يجتمع فيه الخير .
ويفرِّق - أي الذكر - المجتمِع
، تجتمع في القلب إذا كان بعيداً عن الذكر أمور كثيرة ، هم غم حزن شبهات شهوات ،
أمور كثيرة تجتمع على القلب ، فهذه الأمور ما يفرقها ولا يطردها ولا يبعدها عن
القلب إلا ذكر الله تبارك وتعالى ؛ فهو يجمع المفترق من الخير ويفرِّق المجتمع في
القلب من الشر ، ولهذا يحتاج الإنسان إلى ذكر الله تبارك وتعالى ليحقق لنفسه هذا
الربح العظيم والمغنم الكبير .
وعندما يتحقق للقلب هذه
الطمأنينة وهذه الراحة بذكره لله فإن الجوارح كلها تطمئن وتُقبل إقبالاً عظيماً
على الخير ، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((أَلَا
وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا
فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ )) ، فلهذا يحتاج
الإنسان أن يحرص على أن يعمر قلبه بذكر الله ، إذا عمَر قلبه بذكر الله تذهب عنه
كل الأمور الأخرى .
جاء رجل مرّة إلى الحسن
البصري قال : أشكوا إليك قسوة قلبي - أشعر في قلبي قسوة ، فماذا أفعل بها ؟ - قال
: أذِبها بذكر الله ، أذب هذه القسوة بذكر الله ، يعني أكثر من ذكر الله عز وجل
حتى تذوب هذه القسوة ، وهذا معنى قول ابن القيم أن ذكر الله يفرِّق المجتمِع ، إذا
اجتمع في القلب قسوة ، اجتمع في القلب غلظة ، شهوة ، شبهة ، غم ، حزن ، حسد ، حقد
، ضغينة ، غل ، كل هذه الأمور تتعب القلب إذا وُجدت فيه ، فإذا اجتمعت لا يفرقها
إلا الذكر ، فإذا انشغل الإنسان بذكر الله عز وجل وعمَر قلبه بذكره تبارك وتعالى ،
لا يبقى لهذه الأمور بقية ، بل إنها تذهب وتنصرف وتتفرق عن الإنسان .
لعلنا نختم بفائدة عظيمة من
فوائد الذكر : يقول الله تعالى في الحديث القدسي : ((أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا
ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ )) وهذه أيها الإخوة معيَّة خاصة من الله
تبارك وتعالى لمن كان ذاكراً لله تبارك وتعالى .
§
هناك معية عامة بالعلم والإطلاع
والإحاطة ، إليها الإشارة في قوله تعالى { إِلَّا هُوَ
مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا } [المجادلة:7] ، قوله {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد:4]
§
وهناك معية خاصة اختص بها
بعض الخلق ؛ يكون معهم تبارك وتعالى بحفظه ورعايته وعنايته وتوفيقه وتسديده ، وهذه
المعية الخاصة لا ينالها العبد إلا بأمور من أعظمها ذِكر الله تبارك وتعالى ،
ولهذا قال : ((أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ )) ؛
وإذا كان الله مع العبد ، حياته كلها إلى خير وإلى سعادة {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر:36] إذا كان الله مع العبد لا
يصل إليه شر ، ويكون محفوظاً محفوفاً بالخير
تتحقق له السعادة والمغنم والربح في الدنيا والآخرة ، لأن الله تبارك وتعالى
معه {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج:38] .
هذه أيها الإخوة تأملاتٌ أو
حديثٌ عن قوله تعالى {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ
تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} ، والحديث في هذا الباب
واسع وطويل ، لكن نسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ونسأله جل وعلا
بكل اسم هو له سمى به نفسه أو أنزله في كتابه أو علَّمه أحداً من خلقه أو استأثر
به في علم الغيب عنده أن يعمر قلوبنا وقلوبكم بذكره سبحانه وتعالى ، وأن يصلح لنا
جميعنا شأننا كله . اللهم أصلح لنا ديننا الذي
هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها
معادنا ، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير ، والموت راحة لنا من كل شر . اللهم
إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، اللّهم إنا نعوذ بك من شر الشيطان
وشركه ، ونعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها ، ونسألك أن تهدينا إليك صراطاً
مستقيما ، وأن توفقنا لكل خير ، وأن تجعلنا من عبادك المتقين الذين يستمعون القول
فيتبعون أحسنه .
والله تعالى أعلم وصلى الله
وسلم وبارك وأنعم على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
...........................
هذه أبيات فيها فوائد الذكر ،
ناظمها الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي رحمه الله ؛ يقول في هذه الأبيات :
|
فَذِكْرُ
إِلٰهِ الْعَرْشِ سِرًّا وَمُعْلَنًا
|
|
يُزِيلُ الشَّقَا
وَالهَمَّ عَنْكَ وَيَطْرُدُ
|
|
وَيَجْلِبُ لِلْخَيْرَاتِ
دُنْيًا وَآجِلًا
|
|
وَإِنْ يَأْتِكَ
الْوَسْوَاسُ يَوْمًا يُشَـرِّدُ
|
|
فَقَدْ أَخْبَرَ
المُخْتَارُ يَوْمًا لِصَحْبِهِ
|
|
بِأَنَّ كَثِيرَ
الذِّكْرِ فِي السَّبْقِ مُفْرِدُ
|
|
وَوَصَّى مُعَاذًا
يَسْتَعِينُ إِلٰـهَهُ
|
|
عَلَى ذِكْرِهِ
وَالشُّكْرِ بِالْحُسْنِ يَعْبُدُ
|
|
وَأَوْصَى لِشَخْصٍ
قَدْ أَتَى لِنَصِيحَةٍ
|
|
وَقَدْ كَانَ
فِي حَمْلِ الشَّـرَائِعِ يَجْهَدُ
|
|
بِأَنْ لَا يَزَلْ
رَطْبًا لِسَانُكَ هٰذِهِ
|
|
تُعِينُ عَلَى
كُلِّ الْأُمُورِ وَتُسْعِدُ
|
|
وَأَخْبَرَ أَنَّ
الذِّكْرَ غَرْسٌ لِأَهْلِهِ
|
|
بِجَنَّاتِ عَدْنٍ
وَالمَسَاكِنُ تُمْهَدُ
|
|
وَأَخْبَرَ أَنَّ
اللهَ يَذْكُرُ عَبْدَهُ
|
|
وَمَعْهُ عَلَى
كُلِّ الْأُمُورِ يُسَدِّدُ
|
|
وَأَخْبَرَ أَنَّ
الذِّكْرَ يَبْقَى بِجَنَّةٍ
|
|
وَيَنْقَطِعُ
التَّكْلِيفُ حِينَ يُخَلَّدُوا
|
|
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ
فِي ذِكْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ
|
|
طَرِيقٌ إِلَى
حُبِّ الْإِلَهِ وَمُرْشِدُ
|
|
وَيَنْهَى الفَتَى
عَنْ غِيبَةٍ وَنَمِيمَةٍ
|
|
وَعَنْ كُلِّ
قَوْلٍ لِلدِّيَانَةِ مُفْسِدُ
|
|
لَكَانَ لَنَا
حَظٌّ عَظِيمٌ وَرَغْبَةٌ
|
|
بِكَثْرَةِ ذِكْرِ
اللهِ نِعْمَ المُوَحَّدُ
|
|
وَلَكِنَّنَا مِنْ
جَهْلِنَا قَلَّ ذِكْرُنَا
|
|
كَمَا قَلَّ مِنَّا
لِلْإِلَهِ التَّعَبُّدُ
|
هذه أبيات عظيمة جداً فيها
عدٌّ لفوائد الذكر ، وما ذكره رحمه الله في هذه الأبيات كلّه عليه دلائله في كتاب
الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .
والله تعالى أعلم وصلى الله
وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
الأسئلة
يقول سائل : ما هي الكتب
التي تنصحون بقراءتها والخاصة بالأذكار والأدعية الخالية من الأحاديث الضعيفة والموضوعة ؟ ولو تذكرون أحسن الطبعات .
الكتب المؤلَّفة في الأذكار
كثيرة جداً ومتعددة ، وهناك كتب في الأذكار لأهل الأهواء يؤلفونها ويجمعون فيها
أذكاراً من قِبل أنفسهم ، أو أذكاراً يعتمدون فيها على أحاديث موضوعة مكذوبة على
النبي عليه الصلاة والسلام، فهذه الأذكار لا يجوز للمسلم أن يشغل نفسه بها ، وإنما
نذكر الله بما كان يذكره به رسول الله عليه الصلاة والسلام ، ولهذا يتخير المسلم
الكتب التي لأهل العلم المعتبَرين والتي لمن لهم عناية بحديث رسول الله صلى الله
عليه وسلم فيفيد منها ، ولله الحمد هناك
كتب كثيرة جداً في هذا الباب مطبوعة ومتداولة يمكن أن يستفيد منها المسلم ، مثل : الكتاب
الذي سميته " الوابل الصيب " لابن القيم رحمه الله ، و كتاب شيخه "
الكلم الطيب" , و أيضا كتاب "تحفة الأخيار" للشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله ، هناك كتب
كثيرة في الذكر والدعاء يُنتقى فيها الأحاديث الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة
والسلام فيستفيد منها طالب العلم ، لكن الكتب التي لا تُأسس على السنة ولا يُلتفت
فيها إلى هدي النبي عليه الصلاة والسلام ، ولاسيما تلك الكتب التي فيها توظيف
أعمالٍ وتحديد أوقاتٍ و تعيين أذكارٍ لا مستند في شيء منها إلى ما في كتاب الله
وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وأحيانا يروِّج بعض العوام أوراق فيها أدعية معينة
أو أذكار معينة من قالها صُرف عنه كذا وحصل له كذا وتجنبه كذا ؛ أشياء يقولونها
ويأتون بها لا مستند عليها ، فكل ذلك لا يجوز للمسلم أن يلتفت إليه أو أن يعتمد
على شيء منه ، ومثل هذه الأمور لا يُعتمد فيها إلا على أهل العلم الذين لهم ارتباط
وعناية وفهم بسنة النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه .
يقول : هل إذا قلت هذا
الدعاء الذي هو دعاء الهم مرة واحدة ووُجد في نفسي ضيق ، فهل لي أن أكرره؟ وهل ثبت
من السنة المطهرة يقال في الصباح ويقال في المساء ؟
هذا الدعاء ليس من أذكار
الصباح والمساء ، وإنما هو ذكرٌ يأتي به الإنسان ويُذهِب عنه بإذن الله تبارك
وتعالى ما يجد في نفسه من همٍّ أو غم أو حزن ، فالإنسان يدعو به ، ومن المهم كما
أشرت عندما يدعو به أن يتأمل في معناه وأن يتدبر في دلالته وأن يقف مع مقاصده حتى
يكون له أثر بالغ عليه ، وإذا تكرر عليه الهم أو الغم يكرر الدعاء ، وهو لجوء إلى
الله وانكسار بين يديه وإلحاح عليه وسؤال له سبحانه وتعالى ، فيكرر الدعاء إذا
تكرر الهم والغم .
يقول : هل حديث ( لا يرد
القدر إلا الدعاء ) حديث صحيح ؟ و هل القدر يُرد ؟
الحديث ثابت عن النبي عليه
الصلاة والسلام (( لا يرد القدر إلا الدعاء )) ، والدعاء من القدر ، ليس أمراً
خارجاً عن قدر الله ، بل دعاء الإنسان ربّه هو أيضاً أمر مُقدَّر ، وبهذا يتضح لنا
معنى قوله (( لا يرد القدر إلا الدعاء )) ، فالدعاء هو أمرٌ من الأمور الداخلة في
القدر ، وهو من جملة الأمور المقدرة ، فقوله (( لا يرد القدر إلا الدعاء )) معنى
ذلك أنه قُدِّر على الإنسان أن يكون له كذا أو يصيبه كذا وأنه يدعو الله عز وجل
بدعاء كذا فينصرف عنه هذا الأمر ، وكل ذلك مكتوب في اللّوح المحفوظ {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ
صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} [القمر:52-53] .
حديث (( من قال لا إله إلا
الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرّة كان
له حرز من الشيطان )) ؛ المائة مرّة في اليوم كله ؟ أو في الصباح مائة وفي المساء
مائة ؟
هو الذي أذكر أن الحديث قال
: ((مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ
الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ
مَرَّةٍ)) ، والحديث الآخر الذي فيه المائة في الصباح والمساء : سبحان الله وبحمده
((مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ
مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ
بِهِ إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ)) ، وهذا ثابت ، فهذا
يُقال في الصباح سبحان الله وبحمده مائة مرّة ، ويقال في المساء سبحان الله وبحمده
مائة مرّة . و(( لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل
شيء قدير )) هذه تُقال في اليوم مائة مرّة .
هذا يسأل عن كتاب بعنوان "فقه
الأدعية والأذكار " يقول هل أصدر صاحبه القسم الثاني منه ؟
الذي أعرفه أن القسم الثاني الآن
قُدِّم للفسح حتى يُطبع إن شاء الله ، نسأل الله جل وعلا أن ييسِّر طبعه والاستفادة
منه .
يقول ما معنى ذكر الله في
القلب ؟
ابن القيم رحمه الله في كتابه
الوابل الصيب ذكر أن الذكر نوعين : ذكر بالقلب وذكر باللسان ، وذكر الله تبارك
وتعالى بالقلب بتعظيمه ومحبته وذِكر عظمته وجلاله وذكر أسمائه وصفاته ، وذكر الله
باللسان بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وتلاوة القرآن ، كل ذلك ذكر لله .
فالذكر يكون بالقلب ويكون
باللسان ، وأكمل أحوال الإنسان في ذكره لله تبارك وتعالى عندما يجمع في ذكره لله
بين ذكر القلب وذكر اللسان .
والله تعالى أعلم وصلى الله
وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
