المقالة الاولى : هل يمكن اعتبار القوة وسيلة مشروعة لنيل الحقوق ؟ الطريقة : جدلية
طرح المشكلة :
إن العدالة مبدأ أخلاقي سامي ، سعت المجتمعات قديمها وحديثها الى جعلها
واقعا ملموسا بين افرداها ، ولا يمكن ان يحصل ذلك الا اذا أُعطي كل ذي حق
حقه ، والحق هو الشيئ الثابت الذي لا يجوز إنكاره طبيعيا كان او اجتماعيا
او اخلاقيا . الا ان المفكرين والفلاسفة اختلفوا في الوسائل التي تمكننا من
نيل هذه الحقوق ، فاعتقد البعض منهم بأن القوة وسيلة مشروعة لتحقيقها ،
فهل يمكن اعتبار القوة – حقيقة – آداة مشروعة لنيل الحقوق ؟ بمعنى : هل
يمكن تأسيس الحقوق على أساس القوة ؟
محاولة حل المشكلة :
-أ- الاطروحة :
لقد ذهب فريق من الفلاسفة الى اعتبار القوة آداة مشروعة لنيل الحقوق ،
واساس سليما يمكن ان تقوم عليه هذه الحقوق ، ونجد من بين هؤلاء المفكر
الايطالي " ميكيافيلي " الذي يرى أن : « الغاية تبرر الوسيلة » ، حتى وان
كانت الوسيلة لا اخلاقية ، فإذا كان الانتصار ومن ثـمّ نيل الحقوق هو ضالة
الحاكم وهدفه ، فلابد من استعمال القوة اذا كان الامر يستدعي ذلك . اما
الفيلسوف الانجليزي " توماس هوبز " فيرى ان القوي هو الذي يحدد الخير والشر
. بينما الفيلسوف الهولندي " سبينوزا " يرى : « أن كل فرد يملك من الحق
بمقدار ما يملك من القوة » كما أشاد الفيلسوف الالماني " نيتشه " بإرادة
القوة حلى حساب الضعفاء . ونجد – في الاخير –. الفيلسوف الالماني المادي "
كارل ماركس " الذي يذهب الى ان الحقوق ماهي الا مظهرا لقوة الطبقة المسيطرة
اجتماعيا والمهيمنة اقتصاديا . وعليه فالقوة – حسب هؤلاء – آداة مشروعة بل
وضرورية لنيل الحقوق .
-ب- الحجة :
وما يؤكد مشروعية القوة كوسيلة لاكتساب الحقوق هو تاريخ المجتمعات
الانسانية نفسه ؛ إذ يثبت بأن كثيرا من الحقوق وجدت بفضل استخدام القوة ،
فقيام النزاعات والثورات انتهت في معظمها بتأسيس الكثير من الحقوق ، التي
صارت فيما بعد موضع اعتراف من طرف الجميع ، مثال ذلك أن الكثير من الشعوب
المستعمرة استردت حريتها – كحق طبيعي – بفعل الثورة المسلحة أي القوة
العسكرية .
كما ان المجتمع الدولي حاليا يثبت بأن الدول التي تتمتع بحق النقض ( الفيتو) في مجلس الامن هي الدول القوية اقتصاديا واجتماعيا .
-جـ- النقد :
لا ننكر ان بعض الحقوق تـمّ نيلها عن طريق القوة ، لكن ذلك لا يدعونا الى
التسليم أنها – أي القوة – وسيلة مشروعة للحصول على جميع الحقوق ، لأن ذلك
يؤدي الى انتشار قانون الغاب فيأكل بموجبه القوي الضعيف ، وبالتالي تفسد
الحياة الاجتماعية وتهدر الكثير من الحقوق .
اضافة الى ذلك فالقوة امر نسبي أي متغير ، فالقوي
اليوم ضعيف غداً والعكس صحيح ، ولأجل ذلك فإن الحق الذي يتأسس على القوة
يزول بزوالهاأ- نقيض الاطروحة :
خلافا للموقف السابق ، يذهب فريق من الفلاسفة الى الاعتقاد أن القوة لا
يمكن ان تعتبر وسيلة سليمة ومشروعة لنيل الحقوق ، ولا ينبغي بأي حال من
الاحول ان تكون اساسا للحقوق . و الذين يدافعون عن هذه الوجهة من النظر
الفيلسوف الفرنسي " جان جاك روسو " الذي يقول : « إن القوة سلطة مادية ،
ولا أرى بتاتا كيف تنجم الاخلاقية من نتائجها » ، فالقوة بهذا المعنى لا
يمكن ان تصنع الحق ، ولعل هذه ما ذهب اليه الزعيم الهندي " غاندي " عندما
بـيّـن أن استخدام القوة في سبيل نيل الحقوق ماهو سوى مجرد فلسفة مادية لا
اخلاقية ، حيث يقول : « اننا سوف نكسب معركتنا لا بمقدار ما نقتل من خصوم ،
ولكن بمدار ما نقتل في نفوسنا الرغبة في القتل » . وعلى هذا الاساس فالقوة
غير مشروعة في نيل الحقوق .
2-ب – الحجة :
لأنه من التناقض الحصول على حقوق تمتاز بأنها اخلاقية بوسائل لا اخلاقية "
القوة " ، فالحقوق من القيم التي تتأسس علها العدالة ، وعليه فالعدل والحق
من المبادئ الاخلاقية ومن ثـمّ لا يجوز تحقيقهما بوسائل لا اخلاقية ، لأن
أخلاقية الغاية تفرض بالضرورة اخلاقية الوسيلة .
كما ان ثبات الكثير من الحقوق يستبعد تأسيسها
على القوة او الاعتماد عليها في تحصيلها ، لأنها متغيرة ، وكل ما تأسس على
متغير كان متغيرا بالضرورة .
ثم ان تاريخ المجتمعات يوكد – من جهة أخرى – أن
نسبة كبيرة من الحقوق التي يتمتع بها الافراد ، لم يعتمد على القوة في
نيلها وتحصيلها .
2- النقد :
ولكن القول ان القوة ليست مشروعة في نيل الحقوق ، لا يمنع من كونها وسيلة
مشروعة للدفاع عن هذه الحقوق ضد مغتصبيها ، او للمطالبة بها ان اقتضت
الضرورة .
3- التركيب :
ان الحقوق - من حيث هي مكاسب مادية ومعنوية يتمتع بها الافراد يخولها لهم
القانون وتفرضها الاعراف – لا يمكن ارجاعا الى اساس واحد نظرا لتعدد اسسها ،
فمنها ما يتأسس على طبيعة الانسان ذاتها ، ومنها ما يتأسس على اساس
اجتماعي من حيث ان المجتمع هو الذي يمنحها لأفراده ، ومنها ما يتأسس على
ايماننا الباطني بها واحترامنا لها .
حل المشكلة :
وهكذا يتضح انه لا يمكن اعتبار القوة اساسا سليما للحقوق ، ولا وسيلة
مشروعة لنيلها ، وإن كان ذلك لا يمنعنا من اللجوء الى القوة للدفاع عن
الحقوق او المطالبة بها .
المقالة الثانية: هل تتأسس العدالة الاجتماعية على المساواة أم على التفاوت ؟ جدلية
طرح المشكلة :
كل جتمع من المجتمعات يسعى الى تحقيق العدل بين أفراده ، وذلك بإعطاء كل ذي
حق حقه ، ومن هنا ينشأ التناقض بين العدالة التي تقتضي المساواة ، وبين
الفروق الفردية التي تقتضي مراعاتها ، إذ ان تأسيس العدالة على المساواة
يوقع الظلم بحكم وجود تفاوت طبيعي بين الافراد ، وتأسيسها على التفاوت فيه
تكريس للطبقية والعنصرية ؛ مما يجعالنا نطرح المشكلة التالية : ماهو المبدأ
الامثل الذي يحقق عدالة موضوعية : هل هو مبدأ المساواة أم مبدأ التفاوت ؟
محاولة حل المشكلة :
عرض الاطروحة:
يرى البعض ان العدالة تتأسس على المساواة ، على اعتبار ان العدالة الحقيقية
تعني المساواة بين الجميع الافراد في الحقوق والواجبات وامام القانون ، وأي
تفاوت بينهم يعد ظلم ، ويدافع عن هذا الرأي فلاسفة القانون الطبيعي
وفلاسفة العقد الاجتماعي وكذا انصار المذهب الاشتراكي .
الحجة :-
ويؤكد ذلك ، ان الافراد – حسب فلاسفة القانون الطبيعي - الذين كانوا يعيشون في
حالة الفطرة كانوا يتمتعون بمساوة تامة وكاملة فيما بينهم ، ومارسوا حقوقهم
الطبيعية على قدم المساواة ، لذلك فالافراد سواسية ، فـ« ليس هناك شيئ
اشبه بشيئ من الانسان بالانسان » ، وعليه فالعدالة تقتضي المساواة بين جميع
الافراد في الحقوق والواجبات بحكم بطبيعتهم المشتركة ، ومادام الناس
متساوون في كل شيئ فما على العدالة الا ان تحترم هذه المساواة .
- اما فلاسفة العقد الاجتماعي ، فيؤكدون ان
انتقال الانسان من المجتمع الطبيعي الى المجتمع السياسي تـمّ بناءً على
تعاقد ، وبما ان الافراد في المجتمع الطبيعي كانوا يتمتعون بمساواة تامة
وكاملة ، لم يكونوا ليقبلوا التعاقد مالم يعتبرهم المتعاقدون معهم مساوين
لهم ، فالمساواة شرط قيام العقد ، وبالتالي فالعقد قائم على عدالة اساسها
المساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات .
- في حين ان الاشتراكيين يرون ان لا عدالة حقيقية
دون مساواة فعلية بين الافراد في الحقوق والواجبات ، ولا تتحقق المساواة
دون الاقرار بمبدأ الملكية الجماعية لوسائل الانتاج ، التي تتيح للجميع
التمتع بهذا الحق ، لأن الملكية الخاصة تكرّس الطبقية والاستغلال وهي بذلك
تقضي على روح المساواة التي هي اساس العدالة .
النقد :
إن أنصار المساواة مثاليون في دعواهم الى اقامة مساواة مطلقة ، ويناقضون
الواقع ، لأن التفاوت الطبيعي امر مؤكد ، فالناس ليسوا نسخا متطابقة ولا
متجانسين في كل شيئ ، والفروق الفردية تؤكد ذلك ، ومن ثـمّ ففي المساواة
ظلم لعدم احترام الفروق الفردية الطبيعية .
عرض نقيض الاطروحة :
وبخلاف ما سبق ، يرى البعض الاخر ان العدالة لا تعني بالضرورة المساواة ، بل ان
في المساواة ظلم لعدم احترام الاختلافات بين الناس ، ومن هذا المنطلق فإن
العدالة الحقيقة تعني تكريس مبدأ التفاوت ، إذ ليس من العدل ان نساوي بين
اناس متفاوتين طبيعيا . ويذهب الى هذه الوجهة من النظر فلاسفة قدامى
ومحدثين وايضا بعض العلماء في ميدان علم النفس والبيولوجيا .
الحجة :-
فأفلاطون قديما قسم المجتمع الى ثلاث طبقات : طبقة الحكماء وطبقة الجنود وطبقة
العبيد ، وهي طبقات تقابل مستويات النفس الانسانية : النفس العاقلة
والغضبية والشهوانية ، وهذا التقسيم يرجع الى الاختلاف بين الافراد في
القدرات والمعرفة والفضيلة ، وعلى العدالة ان تحترم هذا التمايز الطبقي ،
ومن واجب الدولة ان تراعي هذه الفوارق ايضا وتوزع الحقوق وفق مكانة كل فرد .
- اما ارسطو فاعتبر التفاوت قانون الطبيعة ، حيث
ان الناس متفاوتين بطبيعتهم ومختلفين في قدراتهم وفي ارادة العمل وقيمة
الجهد المبذول ، وهذا كله يستلزم التفاوت في الاستحقاق ؛ فلا يجب ان يحصل
اناس متساوون على حصص غير متساوية ، او يحصل اناس غير متساويين على حصص متساوية .
- وحديثا يؤكد ( هيجل 1770 – 1831 ) على مبدأ
التفاوت بين الامم ، وان الامة القوية هي التي يحق لها امتلاك كل الحقوق
وتسيطر على العالم ، على اساس انها افضل الامم ، وعلى الامم الاخرى واجب ،
هو الخضوع للامة القوية.
- وفي نفس الاتجاه ، يذهب ( نيتشه 1844 – 1900 )
ان التفاوت بين الافراد قائم ولا يمكن انكاره ، فيقسم المجتمع الى طبقتين :
طبقة الاسياد وطبقة العبيد ، وان للسادة اخلاقهم وحقوقهم ، وللعبيد
اخلاقهم وواجباتهم .
- أما انصار المذهب الرأسمالي فيقيمون العدل على
اساس التفاوت ، فالمساواة المطلقة مستحيلة وفيها ظلم ، إذ لا يجب مساواة
الفرد العبقري المبدع بالفرد العادي الساذج ، ولا العامل المجد البارع
بالعامل الكسول الخامل ، بل لابد من الاعتراف بهذا التفاوت وتشجيعه ، لأن
ذلك يبعث على الجهد والعمل وخلق جو من المنافسة بين المتفاوتين .
- ويؤكد بعض العلماء ان كل حق يقابله واجب ، غير
ان قدرة الافراد في رد الواجب المقابل للحق متفاوتة في مجالات عدة : فمن
الناحية البيولوجية ، هناك اختلاف بين الناس في بنياتهم البيولوجية
والجسمانية ، مما ينتج عنه اختلاف قدرتهم على العمل ورد الواجب ، لذلك فليس
من العدل مساواتهم في الحقوق ، بل يجب ان نساعد أولئك الذين يملكون افضل
الاعضاء والعقول على الارتقاء اجتماعيا ، يقول الطبيب الفيزيولوجي الفرنسي (
ألكسيس كاريل 1873 – 1944 ) : « بدلا من ان نحاول تحقيق المساواة بين
اللامساواة العضوية والعقلية ، يجب توسيع دائرة هذه الاختلافات وننشئ رجالا
عظماء » . ومن الناحية النفسية ، نجد تمايز بين الافراد من حيث مواهبهم
وذكائهم وكل القدرات العقلية الاخرى ، ومن العبث ان نحاول مساواة هؤلاء
المتفاوتون طبيعيا .
واخيرا ومن الناحية الاجتماعية ، فالناس ليسوا
سواء ، فهناك الغني الذي يملك والفقير الذي لا يملك ، والملكية حق طبيعي
للفرد ، وليس من العدل نزع هذه الملكية ليشاركه فيها آخرين بدعوى المساواة .
النقد :
إن التفاوت الطبيعي بين الافراد امر مؤكد ولا جدال فيه ، غير انه لا ينبغي ان
يكون مبررا لتفاوت طبقي او اجتماعي او عرقي عنصري . كما قد يكون الاختلاف
في الاستحقاق مبنيا على فوارق اصطناعية لا طبيعية فيظهر تفاوت لا تحترم فيه
الفروق الفردية .
التركيب :
إن المساواة المطلقة مستحيلة ، والتفاوت الاجتماعي لا شك انه ظلم ، وعلى
المجتمع ان يحارب هذا التفاوت ليقترب ولو نسبيا من العدالة ، ولا يكون ذلك
الا بتوفير شروط ذلك ، ولعل من أهمها اقرار مبدأ تكافؤ الفرص والتناسب بين
الكفاءة والاستحقاق ومحاربة الاستغلال .
حل المشكلة : وهكذا
يتضح ان العدالة هي ما تسعى المجتمعات قديمها وحديثها الى تجسيدها ، ويبقى
التناقض قائما حول الاساس الذي تبنى عليه العدالة ، غير ان المساواة – رغم
صعوبة تحقيقها واقعا – تبقى هي السبيل الى تحقيق هذه العدالة كقيمة
اخلاقية عليا .
المقالة الثالثة : هل يمكن إبعاد القيم الاخلاقية من الممارسة السياسية ؟ جدلية .
طرح المشكلة :
إن الدولة وجدت لإجل غايات ذات طابع أخلاقي ، مما يفرض أن تكون الممارسة
السياسية أيضا أخلاقية ، إلا أن الواقع يكشف خلاف ذلك تماماً ، سواء تعلق
الامر بالممارسة السياسية على مستوى الدولة الواحدة أو على مستوى العلاقات
بين الدول ، حيث يسود منطق القوة والخداع وهضم الحقوق .. وكأن العمل
السياسي لا ينجح إلا إذا أُبعدت القيم الاخلاقية ؛ فهل فعلا يمكن إبعاد
الاعتبارات الاخلاقية من العمل السياسي ؟
- محاولة حل المشكلة :
أ- عرض الاطروحة:
يرى بعض المفكرين ، أن لاعلاقة بين الاخلاق والسياسة ، لذلك يجب إبعاد
الاعتبارات الاخلاقية تماماً من العمل السياسي ، وهو ما يذهب إليه صراحة
المفكر الايطالي " ميكيافيلي 1469 –1527 " في كتابه " الامير " ، حيث يرى
أن مبدأ العمل السياسي هو : « الغاية تبرر الوسيلة » ، فنجاح العمل السياسي
هو ما يحققه من نتائج ناجحة كإستقرار الدولة وحفظ النظام وضمان المصالح
الحيوية .. بغض النظر عن الوسائل المتبعة في ذلك حتى وإن كانت لاأخلاقية ،
بل ويذهب الى أبعد من ذلك ، فيزعم أن الاخلاق تضر بالسياسة وتعرقل نجاحها ،
وان الدول التي تبني سياستها على الاخلاق تنهار بسرعة.
ويوافقه في ذلك أيضاً فيلسوف القوة " نيتشه 1844
–1900 " ، الذي يرى أن السياسة لا تتفق مع الاخلاق في شيئ ، والحاكم المقيد
بالاخلاق ليس بسياسي بارع ، وهو لذلك غير راسخ على عرشه ، فيجب على طالب
الحكم من الالتجاء الى المكر والخداع والرياء ، فالفضائل الانسانية العظيمة
من الاخلاص والامانة والرحمة والمحبة تصير رذائل في السياسة . وعلى الحاكم
أن يكون قوياً ، لأن الاخلاق هي سلاح الضعفاء ومن صنعهم .
-ب - الحجة:
و ما يبرر ذلك أن المحكوم إنسان ، والانسان شرير بطبعه ، يميل الى السيطرة
والاستغلال والتمرد وعدم الخضوع الى السلطة المنظمة ، ولو ترك على حاله
لعاد المجتمع الى حالته الطبيعية ، فتسود الفوضى والظلم واستغلال القوي
للضعيف ، ويلزم عن ذلك استعمال القوة وجميع الوسائل لردع ذلك الشر حفاظا
على استقرار الدولة ويقائها .
ومن جهة ثانية ، فالعلاقات السياسية بين الدول
تحكمها المصالح الحيوية الاستراتيجية ، فتجد الدولة نفسها بين خيارين : إما
تعمل على تحقيق مصالحها بغض النظر عن الاعتبارات الاخلاقية ، وإما تراعي
الاخلاق التي قد لا تتفق مع مصالحها ، فتفقدها ويكون مصيرها الضعف
والانهيار .
جـ - النقد :
و لكن القول أن الانسان شرير بطبعه مجرد زعم وإفتراض وهمي ليس له أي أساس من
الصحة ؛ فالانسان مثلما يحمل الاستعداد للشر يحمل أيضا الاستعداد للخير ،
ووظيفة الدولة تنمية جوانب الخير فيه ، أما لجوئها الى القوة فدليل على
عجزها عن القيام بوظيفتها ، والا فلا فرق بين الدولة كمجتمع سياسي منظم
والمجتمع الطبيعي حيث يسود منطق الظلم والقوة .
هذا ، واستقراء ميكيافيلي للتاريخ إستقراء ناقص ،
مما لا يسمح بتعميم أحكامه ، فهو يؤكد – من التاريخ – زوال الدول التي
بنيت على اسس أخلاقية ، غير أن التاريخ نفسه يكشف ان الممارسة السياسية في
عهد الخلفاء الراشدين كانت قائمة على اساس من الاخلاق ، والعلاقة بين
الخليفة والرعية كانت تسودها المحبة والاخوة والنصيحة ، مما أدى الى ازدهار
الدولة لا إنهيارها .
وأخيراً ، فالقوة أمر نسبي ، فالقوي اليوم ضعيف
غداً ، والواقع أثبت أن الدول والسياسات التي قامت على القوة كان مصيرها
الزوال ، كما هو الحال بالنسبة للانظمة الاستبدادية الديكتاتورية .
-عرض نقيض الاطروحة :
وخلافا لما سلف ، يعتقد البعض الاخر أنه من الضروري مراعاة القيم
الاخلاقية في الممارسة السياسية ، سواء تعلق الامر بالعلاقة التي تربط
الحاكم والمحكومين على مستوى الدولة الواحدة ، أو على مستوى العلاقات بين
الدول . ومعنى ذلك ، أن على السياسي أن يستبعد كل الوسائل اللااخلاقية من
العمل السياسي ، وأن يسعى الى تحقيق العدالة والامن وضمان حقوق الانسان
الطبيعية والاجتماعية . وهذا ما دعا إليه أغلب الفلاسفة منذ القديم ، فهذا "
أرسطو " يعتبر السياسة فرعاً من الاخلاق ، ويرى أن وظيفة الدولة الاساسية
هي نشر الفضيلة وتعليم المواطن الاخلاق . ثم حديثا الفيلسوف الالماني "
كانط 1724 –1804 " ، الذي يدعو الى معاملة الانسان كغاية في ذاته وليس
كمجرد وسيلة ، كما دعا في كتابه " مشروع السلام الدائم " الى إنشاء هيئة
دولية تعمل على نشر السلام وفك النزاعات بطرق سلمية وتغليب الاخلاق في
السياسة ، وهو ما تجسد – لاحقا – في عصبة الامم ثم هيئة الامم المتحدة ،
كما دعا الى ضرورة قيام نظام دولي يقوم على الديمقراطية والتسامح والعدل
والمساواة بين الشعوب والامم . ومن بعده ألـحّ فلاسفة معاصرون على أخلاقية
الممارسة السياسية ، أبرزهم الفرنسي " هنري برغسون 1856 – 1941 " و
الانجليزي " برتراند رسل 1871 –1969 " .
ب-الحجة:
إن الدولة خصوصاً والسياسة عموما ً إنما وجدتا لأجل تحقيق غايات أخلاقية
منعدمة في المجتمع الطبيعي ، وعليه فأخلاقية الغاية تفرض أخلاقية الوسيلة .
كما أن ارتباط السياسة بالاخلاق يسمح بالتطور والازدهار نتيجة بروز الثقة
بين الحكام والمحكومين ، فينمو الشعور بالمسؤولية ويتفانى الافراد في العمل
.
ثم ان غياب الاخلاق وابتعادها من المجال السياسي
يوّلد انعدام الثقة والثورات على المستوى الداخلي ، أما على المستوى
الخارجي فيؤدي الى الحروب ، مع ما فيها من ضرر على الامن والاستقرار وإهدار
لحقوق الانسان الطبيعية ، وهذا كله يجعل الدولة تتحول الى أداة قمع وسيطرة
واستغلال .
جـ النقد :
لا يمكن إنكار أهمية دعوة الفلاسفة الى أخلاقية الممارسة السياسية ، إلا ان
ذلك يبقـى مجرد دعوة نظرية فقط ، فالقيم الاخلاقية وحدها – كقيم معنوية –
لا تكفي لتجعل التظيم السياسي قوياً قادراً على فرض وجوده وفرض احترام
القانون ، ولا هي تستطيع ايضاً ضمان بقاء الدولة واستمرارها ، وهو الامر
الذي يؤكد صعوبة تجسيد القيم الاخلاقية في الممارسة السياسية .
-التركيب :
و في الواقع أنه لا يمكن الفصل بين الاخلاق والسياسة ، لذلك فغاية الممارسة
السياسية يجب أن تهدف الى تجسيد القيم الاخلاقية وترقية المواطن والحفاظ
على حقوقه الاساسية ، دون إهمال تحقيق المصالح المشروعة التي هي اساس بقاء
الدولة وازدهارها .
– حل المشكلة :
وهكذا يتضح ، أنه لا يمكن إطلاقا إبعاد القيم الاخلاقية من الممارسة السياسية
رغم صعوبة تجسيدها في الواقع . ومن جهة أخرى ، فالاخلاق بدون قوة ضعف ،
والقوة بدون أخلاق ذريعة للتعسف ومبررللظلم . وعليه فالسياسي الناجح هو
الذي يتخذ من القوة وسيلة لتجسيد القيم الاخلاقية وأخلاقية الممارسة السياسية
المقالة الرابعة (تصميم جزئي )
الموضوع الثامن:
إذا كانت التجربة لا تعطينا عدداً خالصاً مجرداً ولا خطاً دون عرض ولا سطحاً
دون سمك ، فهل يعني ذلك أن المفاهيم الرياضية ليست مستخلصة من التجربة
الحسية ؟
- طرح المشكلة : هل المفاهيم الرياضية أصلها عقلي أم تجريبي ؟
- محاولة حل المشكلة :
-أ- عرض الاطروحة :
يرى أصار النزعة العقلية المثالية أن المفاهيم الرياضية ليست مستخلصة من التجربة الحسية ، بل هي مفاهيم عقلية خالصة .
-ب- الحجة : -
لأن المفاهيم الرياضية مفاهيم مجردة أنشأها العقل و استنبطها من مبادئه
الاساسية ( الهوية ، عدم التناقض ، الثالث المرفوع ) من دون الحاجة الى
الرجوع الى الواقع الحسي .
- ان التجربة لا تعطينا عدداً خالصاً مجرداً ولا
خطاً دون عرض ولا سطحاً دون سمك ، مما يعني ان المفاهيم الرياضية نابعة من
العقل وموجودة فيه بصورة قبلية .
- المفاهيم الرياضية هي حقائق معقولة وهي مفاهيم
ازلية وثابتة ، والعقل كان يدركها في عالم المثل ، ولكن عند مفارقته لهذا
العالم نسيها ، وما عليه الا تذكرها ( افلاطون ) .
- ان المفاهيم الرياضية هي مفاهيم فطرية تتميز
بالبساطة والبداهة واليقين ، وبما ان العقل قاسم مشترك بين جميع الناس ،
فإن الناس جميعهم بإمكانهم ادراك هذه المفاهيم ( ديكارت ) .
-جـ- النقد :
إن الطفل الصغير يمزج بين العدد والشيئ المعدود . وتاريخ الرياضيات يقدم لنا
الشواهد على ان العمل الرياضي بدأ حسيا ، وتدرج شيئا فشيئا نحو التجريد
بإدخال الصفر والعدد السالب والعدد الكسري ... ثم لو كانت المفاهيم
الرياضية فطرية لتساوى في العلم بها الجميع ، لكنها مفاهيم لا يدركها الا
القلة القليلة من المتخصصين .
-أ- عرض الاطروحة :يؤكد أنصار النزعة الحسية التجريبية ان المفاهيم الرياضية مثل سائر معارفنا مستمدة من التجربة الحسية .
-ب- الحجة :
مجموعة من الاشجار اوحت بفكرة العدد ، وان بعض الاشياء الطبيعية اوحت بالاشكال
الهندسية ، فشكل الشمس مثلا اوحى بفكرة الدائرة ، وان الانسان في اقدم
العصور استعان في العدّ بالحصى والاصابع .. ثم ان تجربة مسح الاراضي عند
قدماء المصريين هي التي ادت الى نشوء علم الهندسة . وان الهندسة اسبق ظهورا
من الحساب او الجبر لأنها اقرب الى التجربة .
-جـ- النقد :
إن المفاهيم الرياضية ليست كما اعتقد التجريبيون مستمدة من التجربة الحسية ،
فهذه الاخيرة لم تكن الاحافزا للعقل على تجريد المعاني الرياضية .
التركيب :
في الحقيقة ان هناك تلازم بين العقل والتجربة ، فلا وجود لمعرفة عقلية خالصة
ولا لمعرفة تجريبية خالصة . وعلى هذا الاساس ، فإنه من المنطق القول ان اصل
الرياضيات يعود الى التجربة الحسية ، فهي قبل ان تصبح علما عقليا قطعت
مرحلة كلها تجريبية ، ولكن العقل جرّد تلك المعاني الحسية ، فأصبحت مفاهيم
مجردة .
حل المشكلة :
إن أصل المفاهيم الرياضية هو التجربة الحسية ، ثم اصبحت مفاهيم مجردة لا علاقة لها بالواقع .
المقالة الخامسة: اذا كانت الرياضيات لا تقدم معرفة تجريبية ، ففيم تتمثل قيمتها ؟ استقصاء
* تعتبر التجرية مقياس اساسي نحكم به على " علمية
" أي معرفة من المعارف ، ومن المعلوم ان الرياضيات علم عقلي بحت ، مجرد
تماما عن ماهو محسوس ، لذلك فهي لا تقدم أي معرفة تجريبية ، والسؤال الذي
يطرح هنا ؛ فيم تكمن قيمة الرياضيات اذا كانت لا تقدم أي معرفة تجريبية ؟
1-
إن موضوع الرياضيات هو الكميات العقلية المجردة ، التي تتميز بالثبات
والاستقلالية عن الواقع المحسوس ، ولغتها الرموز من ثوابت ومتغيرات ، وليست
ألفاظ اللغة العادية التي تتصف بالغموض والابهام . ومنهجها الاستدلال
العقلي ذو الطبيعة الاستنتاجية – الافتراضية ، يراعي فيه الرياضي عدم تناقض
النتائج مع ما يفترضه من قضايا أولية دون الرجوع الى الواقع الحسي . كما
توصف الرياضيات بالخصوبة نظرا لتعدد فروعها ( كالجبر ، الهندسة ، الهندسة
التحليلية ، نظرية المجموعات ، حساب الاحتمالات .. ) وتعدد انساقها ( كنسق
اقليدس ، نسق لوباتشوفسكي ، نسق ريمان .. ) دون ان يكون هناك تناقضا بين
هذه الفروع والانساق . كما تعود خصوبتها
الى طبيعة البرهان الرياضي ، فهو – بخلاف القياس الارسطي – يتميز بخاصيتيه
التركيبية والتعميمية ، حيث ننتقل فيه من البسيط الى المركب ومن الخاص الى
العام .
2-
ان الرياضيات وان كانت من العلوم التجريدية فهي لغة العلوم التجريبية ،
وتكمن قيمتها في استعانة العلوم التجريبية بها في صياغة نتائجها . حيث ان
العلوم على اختلافها – سواء الطبيعية منها التي تدرس المادة الجامدة او
الحية ، أو الانسانية التي تدرس الانسان ومختلف مواقفه – تسعى الى استخدام
الرياضيات في مباحثها ومناهجها وصياغة نتائجها ..
ولقد كانت الرياضيات حتى القرن 17 م منفصلة عن
العلوم ، وحينئذ تبيّن – كما قال " غاليلي " – أن : « الطبيعة مكتوبة بلغة
رياضية » ، ومادامت الطبيعة – التي هي موضوع العلم – مكتوبة كذلك – فإنه لا
يصلح لفهم العلاقات التي تربط بين ظواهرها الا استعمال لغة الرياضيات ،
التي هي – حسب " بوانكاري " – « اللغة الوحيدة التي يستطيع العاِلم أن
يتكلم بها » .. وهكذا بدأت الرياضيات تغزو العلوم .
فلقد صاغ " غاليلي " قانون سقوط الاجسام صياغة رياضية ( ع = ½ ج x
ز2 ) ، وكذلك فعل " نيوتن في قانون الجاذبية ، لتعرف الفيزياء بعدها
استعمالا واسعا للرياضيات ، كما هو الحال في قوانين السرعة والتسارع و حركة
الاجسام .
هذا ، وقد حسب " كبلر " حركة كوكب المريخ حسابا
رياضيا ، ليعرف علم الفلك – هو الاخر – استعمال لغة الرياضيات ، كحساب حركة
الكواكب والظواهر مثل الكسوف والخسوف والمواقيت ..
إضافة الى ذلك ، فإن الكمياء إبتداءً من "
لافوازييه " أصبحت تعبر عن تفاعل العناصر و عمليات الاكسدة والارجاع في شكل
معادلات رياضية ، كما أصبح العنصر الكميائي يعرف بوزنه الذري ..
والامر نفسه في البيولوجيا ، لاسيما استخدام
الاحصاء الرياضي مثلما فعل " مندل " في قوانين الوراثة . والواقع اليومي
يكشف عن استعمال واسع للرياضيات في البيولوجيا ، وتحديدا في ميدان الطب ،
حيث تكمم دقات القلب وعدد كريات الدم ونسبة السكر ومعدل الضغط ...
ولم يقتصر استعمال الرياضيات على العلوم الطبيعية
المادية فحسب ، بل تعداه الى العلوم الانسانية ؛ فلقد تمكن علماء النفس
الالمان " فيبر " و " فيخنر " من صياغة قانون رياضي للاحساس هو قانون
العتبة المطلقة والعتبة الفارقة . كما وضع الفرنسي " بيني " مقياسا رياضيا
عاما لدرجة الذكاء ونسبته ، هو العمر العقلي مقسوما على العمر الزمني
مضروبا في 100 . و ذات الامر في الاقتصاد والجغرافيا البشرية ؛ حيث يستعمل
الاحصاء وحساب الاحتمالات والتعبير عن النتائج في شكل معادلات رياضية
ومنحنيات بيانية ودوائر نسبية .
3-
و تكمن قيمة الرياضيات في كونها ساهمت في تطور العلوم ، من مجرد وصف كيفي
للظواهر يعتد على اللغة العادية المبهمة الى تحديد كم دقيق لها ؛ فالعلوم
لم تبلغ الدقة في فهم ظواهرها ومن ثــمّ التنبؤ بها ، الا بعدما صارت تصوغ
نتائجها صياغة رياضية .
هذا من جهة ، ومن جهة فإن الرياضيات تهيئ للعلم
المفاهيم التي يقوم عليها، مثال ذلك ان " نيوتن " اقتبس مفهوم المكان من
المكان الحسي عند " إقليدس " ، ولولا هندسة " ريمان " لما كانت نسبية "
إنشتاين " .
ومن جهة ثالثة ، فإن الرياضيات تسمح باكتشاف
القوانين العلمية دون الحاجة الى المرور بالملاحظة والتجربة ، مثال ذلك أن
حساب العالم " لوفيريي " لكوكب " أورانيوس " أدى الى اكتشاف كوكب " نيبتون
" ، كما وصل العالم " ماكسويل " الى اكتشاف الموجات الكهرومغناطيسية ووضع
لها أربع معادلات رياضية أحاطت بخواصها من حسابات رياضية خالصة ، ولم يتحقق
منها العلماء تجريبيا الا بعد مرور ثمانين – 80 – سنة .
* وهكذا يتضح ، أن للرياضيات قيمة كبرى باعتبارها
لغة العلوم الحديثة ، فهي وإن كانت لا تقدم أي معرفة تجريبية ، فإنها
اللغة التي تستخدمها هذه العلوم في التعبير عن نتائجها . فالرياضيات تمثل
نموذجا للوضوح ومعيارا للدقة واليقين وطريقا للابداع ، وهو ما يهدف كل علم
الى بلوغه .
الموضوع السادسة :هل يمكن اخضاع المادة الحية للمنهج التجريبي على غرار المادة الجامدة ؟ جدلية
- طرح المشكلة :
تختلف المادة الحية عن الجامدة من حيث طبيعتها المعقدة ، الامر الذي جعل البعض
يؤمن ان تطبيق خطوات المنهج التجربيي عليها بنفس الكيفية المطبقة في المادة
الجامدة متعذرا ، و يعتقد آخرون ان المادة الحية كالجامدة من حيث مكوناتها
مما يسمح بامكانية اخضاعها للدراسة التجريبية ، فهل يمكن فعلا تطبيق
المنهج التجريبي على المادة الحية على غرار المادة الجامدة ؟
– محاولة حل المشكلة :
- أ- الاطروحة :
يرى البعض ، أنه لا يمكن تطبيق المنهج التجرببي على الظواهر الحية بنفس
الكيفية التي يتم فيها تطبيقه على المادة الجامدة ، إذ تعترض ذلك جملة من
الصعوبات و العوائق ، بعضها يتعلق بطبيعة الموضوع المدروس ذاته و هو المادة
الحية ، و بعضها الاخر الى يتعلق بتطبيق خطوات المنج التجريبي عليها .
-ب- الحجة :
و يؤكد ذلك ، أن المادة الحية – مقارنة بالمادة الجامدة – شديدة التعقيد
نظرا للخصائص التي تميزها ؛ فالكائنات الحية تتكاثر عن طريق التناسل
للمحافظة على النوع و الاستمرار في البقاء . ثم إن المحافظة على توازن
الجسم الحي يكون عن طريقالتغذية التي تتكون من جميع العناصر الضرورية التي
يحتاجها الجسم . كما يمر الكائن الحي بسلسلة من المراحل التي هي مراحل
النمو ، فتكون كل مرحلة هي نتيجة للمرحلة السابقة و سبب للمرحلة اللاحقة .
هذا ، و تعتبر المادة الحية مادة جامدة أضيفت لها صفة الحياة من خلال
الوظيفة التي تؤديها ، فالكائن الحي يقوم بجملة من الوظائف تقوم بها جملة
من الاعضاء ، مع تخصص كل عضو بالوظيفة التي تؤديها و اذا اختل العضو تعطلت
الوظيفة و لا يمكن لعضو آخر أن يقوم بها . و تتميز الكائنات الحية – ايضا –
بـالوحدة العضوية التي تعني ان الجزء تابع للكل و لا يمكن أن يقوم بوظيفته
الا في اطار هذا الكل ، و سبب ذلك يعود الى أن جميع الكائنات الحية –
باستثناء الفيروسات – تتكون من خلايا .
بالاضافة الى الصعوبات المتعلقة بطبيعة الموضوع ،
هناك صعوبات تتعلق بالمنهج المطبق و هو المنهج التجريبي بخطواته المعروفة ،
و أول عائق يصادفنا على مستوى المنهج هو عائقالملاحظة
؛ فمن شروط الملاحظة العلمية الدقة و الشمولية و متابعة الظاهرة في جميع
شروطها و ظروفها و مراحلها ، لكن ذلك يبدو صعبا ومتعذرا في المادة الحية ،
فلأنها حية فإنه لا يمكن ملاحظة العضوية ككل نظرا لتشابك و تعقيد و تداخل و
تكامل و ترابط الاجزاء العضوية الحية فيما بينها ، مما يحول دون ملاحظتها
ملاحظة علمية ، خاصة عند حركتها أو اثناء قيامها بوظيفتها . كما لا يمكن
ملاحظة العضو معزولا ، فالملاحظة تكون ناقصة غير شاملة مما يفقدها صفة
العلمية ، ثم ان عزل العضو قد يؤدي الى موته ، يقول أحد الفيزيولوجيين
الفرنسيين : « إن سائر اجزاء الجسم الحي مرتبطة فيما بينها ، فهي لا تتحرك
الا بمقدار ما تتحرك كلها معا ، و الرغبة في فصل جزء منها معناه نقلها من
نظام الاحياء الى نظام الاموات ».
و دائما على مستوى المنهج ، هناك عائق التجريب
الذي يطرح مشاكل كبيرة ؛ فمن المشكلات التي تعترض العالم البيولوجي مشكلة
الفرق بين الوسطين الطبيعي و الاصطناعي ؛ فالكائن الحي في المخبر ليس كما
هو في حالته الطبيعية ، إذ أن تغير المحيط من وسط طبيعي الى شروط اصطناعية
يشوه الكائن الحي و يخلق اضطرابا في العضوية و يفقد التوازن .
ومعلوم ان التجريب في المادة الجامدة يقتضي تكرار
الظاهرة في المختبر للتأكد من صحة الملاحظات و الفرضيات ، و اذا كان
الباحث في ميدان المادة الجامدة يستطيع اصطناع و تكرار الظاهرة وقت ما شاء ،
ففي المادة الحية يتعذر تكرار التجربة لأن تكرارها لا يؤدي دائما الى نفس
النتيجة ، مثال ذلك ان حقن فأر بـ1سم3 من المصل لا يؤثر فيه في المرة
الاولى ، و في الثانية قد يصاب بصدمة عضوية ، و الثالثة تؤدي الى موته ،
مما يعني أن نفس الاسباب لا تؤدي الى نفس النتائج في البيولوجيا ، و هو ما
يلزم عنه عدم امكانية تطبيق مبدأ الحتمية بصورة صارمة في البيولوجيا ، علما
ان التجريب و تكراره يستند الى هذا المبدأ .
و بشكل عام ، فإن التجريب يؤثر على بنية الجهاز العضوي ، ويدمر أهم عنصر فيه وهو الحياة .
و من العوائق كذلك ، عائق التصنيف و التعميم ؛
فإذا كانت الظواهر الجامدة سهلة التصنيف بحيث يمكن التمييز فيها بين ما هو
فلكي أو فيزيائي أو جيولوجي وبين أصناف الظواهر داخل كل صنف ، فإن التصنيف
في المادة الحية يشكل عقبة نظرا لخصوصيات كل كائن حي التي ينفرد بها عن
غيره ، ومن ثـمّ فإن كل تصنيف يقضي على الفردية ويشوّه طبيعة الموضوع مما
يؤثر سلبا على نتائج البحث .
وهذا بدوره يحول دون تعميم النتائج على جميع
افراد الجنس الواحد ، بحيث ان الكائن الحي لا يكون هو هو مع الانواع الاخرى
من الكائنات ، ويعود ذلك الى الفردية التي يتمتع بها الكائن الحي .
-جـ- النقد :
لكن هذه مجرد عوائق تاريخية لازمت البيولوجيا عند بداياتها و محاولتها الظهور
كعلم يضاهي العلوم المادية الاخرى بعد انفصالها عن الفلسفة ، كما ان هذه
العوائق كانت نتيجة لعدم اكتمال بعض العلوم الاخرى التي لها علاقة
بالبيولوجيا خاصة علم الكمياء .. و سرعان ما تــمّ تجاوزها .
أ- نقيض الاطروحة :
و خلافا لما سبق ، يعتقد البعض أنه يمكن اخضاع المادة الحية الى المنهج التجريبي ،
فالمادة الحية كالجامدة من حيث المكونات ، وعليه يمكن تفسيرها بالقوانين
الفيزيائية- الكميائية أي يمكن دراستها بنفس الكيفية التي ندرس بها المادة
الجامدة . ويعود الفضل في ادخال المنهج التجريبي في البيولوجيا الى العالم
الفيزيولوجي ( كلود بيرنار ) متجاوزا بذلك العوائق المنهجية التي صادفت
المادة الحية في تطبيقها للمنهج العلمي .
-ب- الادلة :
و ما يثبت ذلك ، أنه مادامت المادة الحية تتكون من نفس عناصر المادة الجامدة
كالاوكسجين و الهيدروجين و الكربون و الازوت و الكالسيوم و الفسفور ...
فإنه يمكن دراسة المادة الحية تماما مثل المادة الجامدة .
هذا على مستوى طبيعة الموضوع ، اما على مستوى
المنهج فقد صار من الممكن القيام بالملاحظة الدقيقة على العضوية دون الحاجة
الى فصل الاعضاء عن بعضها ، أي ملاحظة العضوية وهي تقوم بوظيفتها ، و ذلك
بفضل ابتكار وسائل الملاحظة كالمجهر الالكتروني و الاشعة و المنظار ...
كما اصبح على مستوى التجريب القيام بالتجربة دون
الحاجة الى ابطال وظيفة العضو أو فصله ، و حتى و إن تــمّ فصل العضو الحي
فيمكن بقائه حيا مدة من الزمن بعد وضعه في محاليل كميائية خاصة .
جـ- النقد :
ولكن لو كانت المادة الحية كالجامدة لأمكن دراستها دراسة علمية على غرار المادة
الجامدة ، غير ان ذلك تصادفه جملة من العوائق و الصعوبات تكشف عن الطبيعة
المعقدة للمادة الحية . كما انه اذا كانت الظواهر الجامدة تفسر تفسيرا
حتميا و آليا ، فإن للغائية إعتبار و أهمية في فهم وتفسير المادة الحية ،
مع ما تحمله الغائية من اعتبارات ميتافيزيقية قد لا تكون للمعرفة العلمية
علاقة بها .
التركيب :
و بذلك يمكن القول أن المادة الحية يمكن دراستها دراسة العلمية ، لكن مع
مراعاة طبيعتها وخصوصياتها التي تختلف عن طبيعة المادة الجامدة ، بحيث بحيث
يمكن للبيولوجيا ان تستعير المنهج التجريبي من العلوم المادية الاخرى مع
الاحتفاظ بطبيعتها الخاصة ، يقول كلود بيرنار : « لابد لعلم البيولوجيا أن
يأخذ من الفيزياء و الكمياء المنهج التجريبي ، مع الاحتفاظ بحوادثه الخاصة و
قوانينه الخاصة ».
- حل المشكلة :
وهكذا يتضح ان المشكل المطروح في ميدان البيولوجيا على مستوى المنهج خاصة ، يعود أساسا الى طبيعة الموضوع المدروس و هو الظاهرة الحية ، والى كون البيولوجيا علم حديث العهد بالدراسات العلمية ، و يمكنه تجاوز تلك العقبات التي تعترضه تدريجيا
طرح المشكلة :
إن العدالة مبدأ أخلاقي سامي ، سعت المجتمعات قديمها وحديثها الى جعلها
واقعا ملموسا بين افرداها ، ولا يمكن ان يحصل ذلك الا اذا أُعطي كل ذي حق
حقه ، والحق هو الشيئ الثابت الذي لا يجوز إنكاره طبيعيا كان او اجتماعيا
او اخلاقيا . الا ان المفكرين والفلاسفة اختلفوا في الوسائل التي تمكننا من
نيل هذه الحقوق ، فاعتقد البعض منهم بأن القوة وسيلة مشروعة لتحقيقها ،
فهل يمكن اعتبار القوة – حقيقة – آداة مشروعة لنيل الحقوق ؟ بمعنى : هل
يمكن تأسيس الحقوق على أساس القوة ؟
محاولة حل المشكلة :
-أ- الاطروحة :
لقد ذهب فريق من الفلاسفة الى اعتبار القوة آداة مشروعة لنيل الحقوق ،
واساس سليما يمكن ان تقوم عليه هذه الحقوق ، ونجد من بين هؤلاء المفكر
الايطالي " ميكيافيلي " الذي يرى أن : « الغاية تبرر الوسيلة » ، حتى وان
كانت الوسيلة لا اخلاقية ، فإذا كان الانتصار ومن ثـمّ نيل الحقوق هو ضالة
الحاكم وهدفه ، فلابد من استعمال القوة اذا كان الامر يستدعي ذلك . اما
الفيلسوف الانجليزي " توماس هوبز " فيرى ان القوي هو الذي يحدد الخير والشر
. بينما الفيلسوف الهولندي " سبينوزا " يرى : « أن كل فرد يملك من الحق
بمقدار ما يملك من القوة » كما أشاد الفيلسوف الالماني " نيتشه " بإرادة
القوة حلى حساب الضعفاء . ونجد – في الاخير –. الفيلسوف الالماني المادي "
كارل ماركس " الذي يذهب الى ان الحقوق ماهي الا مظهرا لقوة الطبقة المسيطرة
اجتماعيا والمهيمنة اقتصاديا . وعليه فالقوة – حسب هؤلاء – آداة مشروعة بل
وضرورية لنيل الحقوق .
-ب- الحجة :
وما يؤكد مشروعية القوة كوسيلة لاكتساب الحقوق هو تاريخ المجتمعات
الانسانية نفسه ؛ إذ يثبت بأن كثيرا من الحقوق وجدت بفضل استخدام القوة ،
فقيام النزاعات والثورات انتهت في معظمها بتأسيس الكثير من الحقوق ، التي
صارت فيما بعد موضع اعتراف من طرف الجميع ، مثال ذلك أن الكثير من الشعوب
المستعمرة استردت حريتها – كحق طبيعي – بفعل الثورة المسلحة أي القوة
العسكرية .
كما ان المجتمع الدولي حاليا يثبت بأن الدول التي تتمتع بحق النقض ( الفيتو) في مجلس الامن هي الدول القوية اقتصاديا واجتماعيا .
-جـ- النقد :
لا ننكر ان بعض الحقوق تـمّ نيلها عن طريق القوة ، لكن ذلك لا يدعونا الى
التسليم أنها – أي القوة – وسيلة مشروعة للحصول على جميع الحقوق ، لأن ذلك
يؤدي الى انتشار قانون الغاب فيأكل بموجبه القوي الضعيف ، وبالتالي تفسد
الحياة الاجتماعية وتهدر الكثير من الحقوق .
اضافة الى ذلك فالقوة امر نسبي أي متغير ، فالقوي
اليوم ضعيف غداً والعكس صحيح ، ولأجل ذلك فإن الحق الذي يتأسس على القوة
يزول بزوالهاأ- نقيض الاطروحة :
خلافا للموقف السابق ، يذهب فريق من الفلاسفة الى الاعتقاد أن القوة لا
يمكن ان تعتبر وسيلة سليمة ومشروعة لنيل الحقوق ، ولا ينبغي بأي حال من
الاحول ان تكون اساسا للحقوق . و الذين يدافعون عن هذه الوجهة من النظر
الفيلسوف الفرنسي " جان جاك روسو " الذي يقول : « إن القوة سلطة مادية ،
ولا أرى بتاتا كيف تنجم الاخلاقية من نتائجها » ، فالقوة بهذا المعنى لا
يمكن ان تصنع الحق ، ولعل هذه ما ذهب اليه الزعيم الهندي " غاندي " عندما
بـيّـن أن استخدام القوة في سبيل نيل الحقوق ماهو سوى مجرد فلسفة مادية لا
اخلاقية ، حيث يقول : « اننا سوف نكسب معركتنا لا بمقدار ما نقتل من خصوم ،
ولكن بمدار ما نقتل في نفوسنا الرغبة في القتل » . وعلى هذا الاساس فالقوة
غير مشروعة في نيل الحقوق .
2-ب – الحجة :
لأنه من التناقض الحصول على حقوق تمتاز بأنها اخلاقية بوسائل لا اخلاقية "
القوة " ، فالحقوق من القيم التي تتأسس علها العدالة ، وعليه فالعدل والحق
من المبادئ الاخلاقية ومن ثـمّ لا يجوز تحقيقهما بوسائل لا اخلاقية ، لأن
أخلاقية الغاية تفرض بالضرورة اخلاقية الوسيلة .
كما ان ثبات الكثير من الحقوق يستبعد تأسيسها
على القوة او الاعتماد عليها في تحصيلها ، لأنها متغيرة ، وكل ما تأسس على
متغير كان متغيرا بالضرورة .
ثم ان تاريخ المجتمعات يوكد – من جهة أخرى – أن
نسبة كبيرة من الحقوق التي يتمتع بها الافراد ، لم يعتمد على القوة في
نيلها وتحصيلها .
2- النقد :
ولكن القول ان القوة ليست مشروعة في نيل الحقوق ، لا يمنع من كونها وسيلة
مشروعة للدفاع عن هذه الحقوق ضد مغتصبيها ، او للمطالبة بها ان اقتضت
الضرورة .
3- التركيب :
ان الحقوق - من حيث هي مكاسب مادية ومعنوية يتمتع بها الافراد يخولها لهم
القانون وتفرضها الاعراف – لا يمكن ارجاعا الى اساس واحد نظرا لتعدد اسسها ،
فمنها ما يتأسس على طبيعة الانسان ذاتها ، ومنها ما يتأسس على اساس
اجتماعي من حيث ان المجتمع هو الذي يمنحها لأفراده ، ومنها ما يتأسس على
ايماننا الباطني بها واحترامنا لها .
حل المشكلة :
وهكذا يتضح انه لا يمكن اعتبار القوة اساسا سليما للحقوق ، ولا وسيلة
مشروعة لنيلها ، وإن كان ذلك لا يمنعنا من اللجوء الى القوة للدفاع عن
الحقوق او المطالبة بها .
المقالة الثانية: هل تتأسس العدالة الاجتماعية على المساواة أم على التفاوت ؟ جدلية
طرح المشكلة :
كل جتمع من المجتمعات يسعى الى تحقيق العدل بين أفراده ، وذلك بإعطاء كل ذي
حق حقه ، ومن هنا ينشأ التناقض بين العدالة التي تقتضي المساواة ، وبين
الفروق الفردية التي تقتضي مراعاتها ، إذ ان تأسيس العدالة على المساواة
يوقع الظلم بحكم وجود تفاوت طبيعي بين الافراد ، وتأسيسها على التفاوت فيه
تكريس للطبقية والعنصرية ؛ مما يجعالنا نطرح المشكلة التالية : ماهو المبدأ
الامثل الذي يحقق عدالة موضوعية : هل هو مبدأ المساواة أم مبدأ التفاوت ؟
محاولة حل المشكلة :
عرض الاطروحة:
يرى البعض ان العدالة تتأسس على المساواة ، على اعتبار ان العدالة الحقيقية
تعني المساواة بين الجميع الافراد في الحقوق والواجبات وامام القانون ، وأي
تفاوت بينهم يعد ظلم ، ويدافع عن هذا الرأي فلاسفة القانون الطبيعي
وفلاسفة العقد الاجتماعي وكذا انصار المذهب الاشتراكي .
الحجة :-
ويؤكد ذلك ، ان الافراد – حسب فلاسفة القانون الطبيعي - الذين كانوا يعيشون في
حالة الفطرة كانوا يتمتعون بمساوة تامة وكاملة فيما بينهم ، ومارسوا حقوقهم
الطبيعية على قدم المساواة ، لذلك فالافراد سواسية ، فـ« ليس هناك شيئ
اشبه بشيئ من الانسان بالانسان » ، وعليه فالعدالة تقتضي المساواة بين جميع
الافراد في الحقوق والواجبات بحكم بطبيعتهم المشتركة ، ومادام الناس
متساوون في كل شيئ فما على العدالة الا ان تحترم هذه المساواة .
- اما فلاسفة العقد الاجتماعي ، فيؤكدون ان
انتقال الانسان من المجتمع الطبيعي الى المجتمع السياسي تـمّ بناءً على
تعاقد ، وبما ان الافراد في المجتمع الطبيعي كانوا يتمتعون بمساواة تامة
وكاملة ، لم يكونوا ليقبلوا التعاقد مالم يعتبرهم المتعاقدون معهم مساوين
لهم ، فالمساواة شرط قيام العقد ، وبالتالي فالعقد قائم على عدالة اساسها
المساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات .
- في حين ان الاشتراكيين يرون ان لا عدالة حقيقية
دون مساواة فعلية بين الافراد في الحقوق والواجبات ، ولا تتحقق المساواة
دون الاقرار بمبدأ الملكية الجماعية لوسائل الانتاج ، التي تتيح للجميع
التمتع بهذا الحق ، لأن الملكية الخاصة تكرّس الطبقية والاستغلال وهي بذلك
تقضي على روح المساواة التي هي اساس العدالة .
النقد :
إن أنصار المساواة مثاليون في دعواهم الى اقامة مساواة مطلقة ، ويناقضون
الواقع ، لأن التفاوت الطبيعي امر مؤكد ، فالناس ليسوا نسخا متطابقة ولا
متجانسين في كل شيئ ، والفروق الفردية تؤكد ذلك ، ومن ثـمّ ففي المساواة
ظلم لعدم احترام الفروق الفردية الطبيعية .
عرض نقيض الاطروحة :
وبخلاف ما سبق ، يرى البعض الاخر ان العدالة لا تعني بالضرورة المساواة ، بل ان
في المساواة ظلم لعدم احترام الاختلافات بين الناس ، ومن هذا المنطلق فإن
العدالة الحقيقة تعني تكريس مبدأ التفاوت ، إذ ليس من العدل ان نساوي بين
اناس متفاوتين طبيعيا . ويذهب الى هذه الوجهة من النظر فلاسفة قدامى
ومحدثين وايضا بعض العلماء في ميدان علم النفس والبيولوجيا .
الحجة :-
فأفلاطون قديما قسم المجتمع الى ثلاث طبقات : طبقة الحكماء وطبقة الجنود وطبقة
العبيد ، وهي طبقات تقابل مستويات النفس الانسانية : النفس العاقلة
والغضبية والشهوانية ، وهذا التقسيم يرجع الى الاختلاف بين الافراد في
القدرات والمعرفة والفضيلة ، وعلى العدالة ان تحترم هذا التمايز الطبقي ،
ومن واجب الدولة ان تراعي هذه الفوارق ايضا وتوزع الحقوق وفق مكانة كل فرد .
- اما ارسطو فاعتبر التفاوت قانون الطبيعة ، حيث
ان الناس متفاوتين بطبيعتهم ومختلفين في قدراتهم وفي ارادة العمل وقيمة
الجهد المبذول ، وهذا كله يستلزم التفاوت في الاستحقاق ؛ فلا يجب ان يحصل
اناس متساوون على حصص غير متساوية ، او يحصل اناس غير متساويين على حصص متساوية .
- وحديثا يؤكد ( هيجل 1770 – 1831 ) على مبدأ
التفاوت بين الامم ، وان الامة القوية هي التي يحق لها امتلاك كل الحقوق
وتسيطر على العالم ، على اساس انها افضل الامم ، وعلى الامم الاخرى واجب ،
هو الخضوع للامة القوية.
- وفي نفس الاتجاه ، يذهب ( نيتشه 1844 – 1900 )
ان التفاوت بين الافراد قائم ولا يمكن انكاره ، فيقسم المجتمع الى طبقتين :
طبقة الاسياد وطبقة العبيد ، وان للسادة اخلاقهم وحقوقهم ، وللعبيد
اخلاقهم وواجباتهم .
- أما انصار المذهب الرأسمالي فيقيمون العدل على
اساس التفاوت ، فالمساواة المطلقة مستحيلة وفيها ظلم ، إذ لا يجب مساواة
الفرد العبقري المبدع بالفرد العادي الساذج ، ولا العامل المجد البارع
بالعامل الكسول الخامل ، بل لابد من الاعتراف بهذا التفاوت وتشجيعه ، لأن
ذلك يبعث على الجهد والعمل وخلق جو من المنافسة بين المتفاوتين .
- ويؤكد بعض العلماء ان كل حق يقابله واجب ، غير
ان قدرة الافراد في رد الواجب المقابل للحق متفاوتة في مجالات عدة : فمن
الناحية البيولوجية ، هناك اختلاف بين الناس في بنياتهم البيولوجية
والجسمانية ، مما ينتج عنه اختلاف قدرتهم على العمل ورد الواجب ، لذلك فليس
من العدل مساواتهم في الحقوق ، بل يجب ان نساعد أولئك الذين يملكون افضل
الاعضاء والعقول على الارتقاء اجتماعيا ، يقول الطبيب الفيزيولوجي الفرنسي (
ألكسيس كاريل 1873 – 1944 ) : « بدلا من ان نحاول تحقيق المساواة بين
اللامساواة العضوية والعقلية ، يجب توسيع دائرة هذه الاختلافات وننشئ رجالا
عظماء » . ومن الناحية النفسية ، نجد تمايز بين الافراد من حيث مواهبهم
وذكائهم وكل القدرات العقلية الاخرى ، ومن العبث ان نحاول مساواة هؤلاء
المتفاوتون طبيعيا .
واخيرا ومن الناحية الاجتماعية ، فالناس ليسوا
سواء ، فهناك الغني الذي يملك والفقير الذي لا يملك ، والملكية حق طبيعي
للفرد ، وليس من العدل نزع هذه الملكية ليشاركه فيها آخرين بدعوى المساواة .
النقد :
إن التفاوت الطبيعي بين الافراد امر مؤكد ولا جدال فيه ، غير انه لا ينبغي ان
يكون مبررا لتفاوت طبقي او اجتماعي او عرقي عنصري . كما قد يكون الاختلاف
في الاستحقاق مبنيا على فوارق اصطناعية لا طبيعية فيظهر تفاوت لا تحترم فيه
الفروق الفردية .
التركيب :
إن المساواة المطلقة مستحيلة ، والتفاوت الاجتماعي لا شك انه ظلم ، وعلى
المجتمع ان يحارب هذا التفاوت ليقترب ولو نسبيا من العدالة ، ولا يكون ذلك
الا بتوفير شروط ذلك ، ولعل من أهمها اقرار مبدأ تكافؤ الفرص والتناسب بين
الكفاءة والاستحقاق ومحاربة الاستغلال .
حل المشكلة : وهكذا
يتضح ان العدالة هي ما تسعى المجتمعات قديمها وحديثها الى تجسيدها ، ويبقى
التناقض قائما حول الاساس الذي تبنى عليه العدالة ، غير ان المساواة – رغم
صعوبة تحقيقها واقعا – تبقى هي السبيل الى تحقيق هذه العدالة كقيمة
اخلاقية عليا .
المقالة الثالثة : هل يمكن إبعاد القيم الاخلاقية من الممارسة السياسية ؟ جدلية .
طرح المشكلة :
إن الدولة وجدت لإجل غايات ذات طابع أخلاقي ، مما يفرض أن تكون الممارسة
السياسية أيضا أخلاقية ، إلا أن الواقع يكشف خلاف ذلك تماماً ، سواء تعلق
الامر بالممارسة السياسية على مستوى الدولة الواحدة أو على مستوى العلاقات
بين الدول ، حيث يسود منطق القوة والخداع وهضم الحقوق .. وكأن العمل
السياسي لا ينجح إلا إذا أُبعدت القيم الاخلاقية ؛ فهل فعلا يمكن إبعاد
الاعتبارات الاخلاقية من العمل السياسي ؟
- محاولة حل المشكلة :
أ- عرض الاطروحة:
يرى بعض المفكرين ، أن لاعلاقة بين الاخلاق والسياسة ، لذلك يجب إبعاد
الاعتبارات الاخلاقية تماماً من العمل السياسي ، وهو ما يذهب إليه صراحة
المفكر الايطالي " ميكيافيلي 1469 –1527 " في كتابه " الامير " ، حيث يرى
أن مبدأ العمل السياسي هو : « الغاية تبرر الوسيلة » ، فنجاح العمل السياسي
هو ما يحققه من نتائج ناجحة كإستقرار الدولة وحفظ النظام وضمان المصالح
الحيوية .. بغض النظر عن الوسائل المتبعة في ذلك حتى وإن كانت لاأخلاقية ،
بل ويذهب الى أبعد من ذلك ، فيزعم أن الاخلاق تضر بالسياسة وتعرقل نجاحها ،
وان الدول التي تبني سياستها على الاخلاق تنهار بسرعة.
ويوافقه في ذلك أيضاً فيلسوف القوة " نيتشه 1844
–1900 " ، الذي يرى أن السياسة لا تتفق مع الاخلاق في شيئ ، والحاكم المقيد
بالاخلاق ليس بسياسي بارع ، وهو لذلك غير راسخ على عرشه ، فيجب على طالب
الحكم من الالتجاء الى المكر والخداع والرياء ، فالفضائل الانسانية العظيمة
من الاخلاص والامانة والرحمة والمحبة تصير رذائل في السياسة . وعلى الحاكم
أن يكون قوياً ، لأن الاخلاق هي سلاح الضعفاء ومن صنعهم .
-ب - الحجة:
و ما يبرر ذلك أن المحكوم إنسان ، والانسان شرير بطبعه ، يميل الى السيطرة
والاستغلال والتمرد وعدم الخضوع الى السلطة المنظمة ، ولو ترك على حاله
لعاد المجتمع الى حالته الطبيعية ، فتسود الفوضى والظلم واستغلال القوي
للضعيف ، ويلزم عن ذلك استعمال القوة وجميع الوسائل لردع ذلك الشر حفاظا
على استقرار الدولة ويقائها .
ومن جهة ثانية ، فالعلاقات السياسية بين الدول
تحكمها المصالح الحيوية الاستراتيجية ، فتجد الدولة نفسها بين خيارين : إما
تعمل على تحقيق مصالحها بغض النظر عن الاعتبارات الاخلاقية ، وإما تراعي
الاخلاق التي قد لا تتفق مع مصالحها ، فتفقدها ويكون مصيرها الضعف
والانهيار .
جـ - النقد :
و لكن القول أن الانسان شرير بطبعه مجرد زعم وإفتراض وهمي ليس له أي أساس من
الصحة ؛ فالانسان مثلما يحمل الاستعداد للشر يحمل أيضا الاستعداد للخير ،
ووظيفة الدولة تنمية جوانب الخير فيه ، أما لجوئها الى القوة فدليل على
عجزها عن القيام بوظيفتها ، والا فلا فرق بين الدولة كمجتمع سياسي منظم
والمجتمع الطبيعي حيث يسود منطق الظلم والقوة .
هذا ، واستقراء ميكيافيلي للتاريخ إستقراء ناقص ،
مما لا يسمح بتعميم أحكامه ، فهو يؤكد – من التاريخ – زوال الدول التي
بنيت على اسس أخلاقية ، غير أن التاريخ نفسه يكشف ان الممارسة السياسية في
عهد الخلفاء الراشدين كانت قائمة على اساس من الاخلاق ، والعلاقة بين
الخليفة والرعية كانت تسودها المحبة والاخوة والنصيحة ، مما أدى الى ازدهار
الدولة لا إنهيارها .
وأخيراً ، فالقوة أمر نسبي ، فالقوي اليوم ضعيف
غداً ، والواقع أثبت أن الدول والسياسات التي قامت على القوة كان مصيرها
الزوال ، كما هو الحال بالنسبة للانظمة الاستبدادية الديكتاتورية .
-عرض نقيض الاطروحة :
وخلافا لما سلف ، يعتقد البعض الاخر أنه من الضروري مراعاة القيم
الاخلاقية في الممارسة السياسية ، سواء تعلق الامر بالعلاقة التي تربط
الحاكم والمحكومين على مستوى الدولة الواحدة ، أو على مستوى العلاقات بين
الدول . ومعنى ذلك ، أن على السياسي أن يستبعد كل الوسائل اللااخلاقية من
العمل السياسي ، وأن يسعى الى تحقيق العدالة والامن وضمان حقوق الانسان
الطبيعية والاجتماعية . وهذا ما دعا إليه أغلب الفلاسفة منذ القديم ، فهذا "
أرسطو " يعتبر السياسة فرعاً من الاخلاق ، ويرى أن وظيفة الدولة الاساسية
هي نشر الفضيلة وتعليم المواطن الاخلاق . ثم حديثا الفيلسوف الالماني "
كانط 1724 –1804 " ، الذي يدعو الى معاملة الانسان كغاية في ذاته وليس
كمجرد وسيلة ، كما دعا في كتابه " مشروع السلام الدائم " الى إنشاء هيئة
دولية تعمل على نشر السلام وفك النزاعات بطرق سلمية وتغليب الاخلاق في
السياسة ، وهو ما تجسد – لاحقا – في عصبة الامم ثم هيئة الامم المتحدة ،
كما دعا الى ضرورة قيام نظام دولي يقوم على الديمقراطية والتسامح والعدل
والمساواة بين الشعوب والامم . ومن بعده ألـحّ فلاسفة معاصرون على أخلاقية
الممارسة السياسية ، أبرزهم الفرنسي " هنري برغسون 1856 – 1941 " و
الانجليزي " برتراند رسل 1871 –1969 " .
ب-الحجة:
إن الدولة خصوصاً والسياسة عموما ً إنما وجدتا لأجل تحقيق غايات أخلاقية
منعدمة في المجتمع الطبيعي ، وعليه فأخلاقية الغاية تفرض أخلاقية الوسيلة .
كما أن ارتباط السياسة بالاخلاق يسمح بالتطور والازدهار نتيجة بروز الثقة
بين الحكام والمحكومين ، فينمو الشعور بالمسؤولية ويتفانى الافراد في العمل
.
ثم ان غياب الاخلاق وابتعادها من المجال السياسي
يوّلد انعدام الثقة والثورات على المستوى الداخلي ، أما على المستوى
الخارجي فيؤدي الى الحروب ، مع ما فيها من ضرر على الامن والاستقرار وإهدار
لحقوق الانسان الطبيعية ، وهذا كله يجعل الدولة تتحول الى أداة قمع وسيطرة
واستغلال .
جـ النقد :
لا يمكن إنكار أهمية دعوة الفلاسفة الى أخلاقية الممارسة السياسية ، إلا ان
ذلك يبقـى مجرد دعوة نظرية فقط ، فالقيم الاخلاقية وحدها – كقيم معنوية –
لا تكفي لتجعل التظيم السياسي قوياً قادراً على فرض وجوده وفرض احترام
القانون ، ولا هي تستطيع ايضاً ضمان بقاء الدولة واستمرارها ، وهو الامر
الذي يؤكد صعوبة تجسيد القيم الاخلاقية في الممارسة السياسية .
-التركيب :
و في الواقع أنه لا يمكن الفصل بين الاخلاق والسياسة ، لذلك فغاية الممارسة
السياسية يجب أن تهدف الى تجسيد القيم الاخلاقية وترقية المواطن والحفاظ
على حقوقه الاساسية ، دون إهمال تحقيق المصالح المشروعة التي هي اساس بقاء
الدولة وازدهارها .
– حل المشكلة :
وهكذا يتضح ، أنه لا يمكن إطلاقا إبعاد القيم الاخلاقية من الممارسة السياسية
رغم صعوبة تجسيدها في الواقع . ومن جهة أخرى ، فالاخلاق بدون قوة ضعف ،
والقوة بدون أخلاق ذريعة للتعسف ومبررللظلم . وعليه فالسياسي الناجح هو
الذي يتخذ من القوة وسيلة لتجسيد القيم الاخلاقية وأخلاقية الممارسة السياسية
المقالة الرابعة (تصميم جزئي )
الموضوع الثامن:
إذا كانت التجربة لا تعطينا عدداً خالصاً مجرداً ولا خطاً دون عرض ولا سطحاً
دون سمك ، فهل يعني ذلك أن المفاهيم الرياضية ليست مستخلصة من التجربة
الحسية ؟
- طرح المشكلة : هل المفاهيم الرياضية أصلها عقلي أم تجريبي ؟
- محاولة حل المشكلة :
-أ- عرض الاطروحة :
يرى أصار النزعة العقلية المثالية أن المفاهيم الرياضية ليست مستخلصة من التجربة الحسية ، بل هي مفاهيم عقلية خالصة .
-ب- الحجة : -
لأن المفاهيم الرياضية مفاهيم مجردة أنشأها العقل و استنبطها من مبادئه
الاساسية ( الهوية ، عدم التناقض ، الثالث المرفوع ) من دون الحاجة الى
الرجوع الى الواقع الحسي .
- ان التجربة لا تعطينا عدداً خالصاً مجرداً ولا
خطاً دون عرض ولا سطحاً دون سمك ، مما يعني ان المفاهيم الرياضية نابعة من
العقل وموجودة فيه بصورة قبلية .
- المفاهيم الرياضية هي حقائق معقولة وهي مفاهيم
ازلية وثابتة ، والعقل كان يدركها في عالم المثل ، ولكن عند مفارقته لهذا
العالم نسيها ، وما عليه الا تذكرها ( افلاطون ) .
- ان المفاهيم الرياضية هي مفاهيم فطرية تتميز
بالبساطة والبداهة واليقين ، وبما ان العقل قاسم مشترك بين جميع الناس ،
فإن الناس جميعهم بإمكانهم ادراك هذه المفاهيم ( ديكارت ) .
-جـ- النقد :
إن الطفل الصغير يمزج بين العدد والشيئ المعدود . وتاريخ الرياضيات يقدم لنا
الشواهد على ان العمل الرياضي بدأ حسيا ، وتدرج شيئا فشيئا نحو التجريد
بإدخال الصفر والعدد السالب والعدد الكسري ... ثم لو كانت المفاهيم
الرياضية فطرية لتساوى في العلم بها الجميع ، لكنها مفاهيم لا يدركها الا
القلة القليلة من المتخصصين .
-أ- عرض الاطروحة :يؤكد أنصار النزعة الحسية التجريبية ان المفاهيم الرياضية مثل سائر معارفنا مستمدة من التجربة الحسية .
-ب- الحجة :
مجموعة من الاشجار اوحت بفكرة العدد ، وان بعض الاشياء الطبيعية اوحت بالاشكال
الهندسية ، فشكل الشمس مثلا اوحى بفكرة الدائرة ، وان الانسان في اقدم
العصور استعان في العدّ بالحصى والاصابع .. ثم ان تجربة مسح الاراضي عند
قدماء المصريين هي التي ادت الى نشوء علم الهندسة . وان الهندسة اسبق ظهورا
من الحساب او الجبر لأنها اقرب الى التجربة .
-جـ- النقد :
إن المفاهيم الرياضية ليست كما اعتقد التجريبيون مستمدة من التجربة الحسية ،
فهذه الاخيرة لم تكن الاحافزا للعقل على تجريد المعاني الرياضية .
التركيب :
في الحقيقة ان هناك تلازم بين العقل والتجربة ، فلا وجود لمعرفة عقلية خالصة
ولا لمعرفة تجريبية خالصة . وعلى هذا الاساس ، فإنه من المنطق القول ان اصل
الرياضيات يعود الى التجربة الحسية ، فهي قبل ان تصبح علما عقليا قطعت
مرحلة كلها تجريبية ، ولكن العقل جرّد تلك المعاني الحسية ، فأصبحت مفاهيم
مجردة .
حل المشكلة :
إن أصل المفاهيم الرياضية هو التجربة الحسية ، ثم اصبحت مفاهيم مجردة لا علاقة لها بالواقع .
المقالة الخامسة: اذا كانت الرياضيات لا تقدم معرفة تجريبية ، ففيم تتمثل قيمتها ؟ استقصاء
* تعتبر التجرية مقياس اساسي نحكم به على " علمية
" أي معرفة من المعارف ، ومن المعلوم ان الرياضيات علم عقلي بحت ، مجرد
تماما عن ماهو محسوس ، لذلك فهي لا تقدم أي معرفة تجريبية ، والسؤال الذي
يطرح هنا ؛ فيم تكمن قيمة الرياضيات اذا كانت لا تقدم أي معرفة تجريبية ؟
1-
إن موضوع الرياضيات هو الكميات العقلية المجردة ، التي تتميز بالثبات
والاستقلالية عن الواقع المحسوس ، ولغتها الرموز من ثوابت ومتغيرات ، وليست
ألفاظ اللغة العادية التي تتصف بالغموض والابهام . ومنهجها الاستدلال
العقلي ذو الطبيعة الاستنتاجية – الافتراضية ، يراعي فيه الرياضي عدم تناقض
النتائج مع ما يفترضه من قضايا أولية دون الرجوع الى الواقع الحسي . كما
توصف الرياضيات بالخصوبة نظرا لتعدد فروعها ( كالجبر ، الهندسة ، الهندسة
التحليلية ، نظرية المجموعات ، حساب الاحتمالات .. ) وتعدد انساقها ( كنسق
اقليدس ، نسق لوباتشوفسكي ، نسق ريمان .. ) دون ان يكون هناك تناقضا بين
هذه الفروع والانساق . كما تعود خصوبتها
الى طبيعة البرهان الرياضي ، فهو – بخلاف القياس الارسطي – يتميز بخاصيتيه
التركيبية والتعميمية ، حيث ننتقل فيه من البسيط الى المركب ومن الخاص الى
العام .
2-
ان الرياضيات وان كانت من العلوم التجريدية فهي لغة العلوم التجريبية ،
وتكمن قيمتها في استعانة العلوم التجريبية بها في صياغة نتائجها . حيث ان
العلوم على اختلافها – سواء الطبيعية منها التي تدرس المادة الجامدة او
الحية ، أو الانسانية التي تدرس الانسان ومختلف مواقفه – تسعى الى استخدام
الرياضيات في مباحثها ومناهجها وصياغة نتائجها ..
ولقد كانت الرياضيات حتى القرن 17 م منفصلة عن
العلوم ، وحينئذ تبيّن – كما قال " غاليلي " – أن : « الطبيعة مكتوبة بلغة
رياضية » ، ومادامت الطبيعة – التي هي موضوع العلم – مكتوبة كذلك – فإنه لا
يصلح لفهم العلاقات التي تربط بين ظواهرها الا استعمال لغة الرياضيات ،
التي هي – حسب " بوانكاري " – « اللغة الوحيدة التي يستطيع العاِلم أن
يتكلم بها » .. وهكذا بدأت الرياضيات تغزو العلوم .
فلقد صاغ " غاليلي " قانون سقوط الاجسام صياغة رياضية ( ع = ½ ج x
ز2 ) ، وكذلك فعل " نيوتن في قانون الجاذبية ، لتعرف الفيزياء بعدها
استعمالا واسعا للرياضيات ، كما هو الحال في قوانين السرعة والتسارع و حركة
الاجسام .
هذا ، وقد حسب " كبلر " حركة كوكب المريخ حسابا
رياضيا ، ليعرف علم الفلك – هو الاخر – استعمال لغة الرياضيات ، كحساب حركة
الكواكب والظواهر مثل الكسوف والخسوف والمواقيت ..
إضافة الى ذلك ، فإن الكمياء إبتداءً من "
لافوازييه " أصبحت تعبر عن تفاعل العناصر و عمليات الاكسدة والارجاع في شكل
معادلات رياضية ، كما أصبح العنصر الكميائي يعرف بوزنه الذري ..
والامر نفسه في البيولوجيا ، لاسيما استخدام
الاحصاء الرياضي مثلما فعل " مندل " في قوانين الوراثة . والواقع اليومي
يكشف عن استعمال واسع للرياضيات في البيولوجيا ، وتحديدا في ميدان الطب ،
حيث تكمم دقات القلب وعدد كريات الدم ونسبة السكر ومعدل الضغط ...
ولم يقتصر استعمال الرياضيات على العلوم الطبيعية
المادية فحسب ، بل تعداه الى العلوم الانسانية ؛ فلقد تمكن علماء النفس
الالمان " فيبر " و " فيخنر " من صياغة قانون رياضي للاحساس هو قانون
العتبة المطلقة والعتبة الفارقة . كما وضع الفرنسي " بيني " مقياسا رياضيا
عاما لدرجة الذكاء ونسبته ، هو العمر العقلي مقسوما على العمر الزمني
مضروبا في 100 . و ذات الامر في الاقتصاد والجغرافيا البشرية ؛ حيث يستعمل
الاحصاء وحساب الاحتمالات والتعبير عن النتائج في شكل معادلات رياضية
ومنحنيات بيانية ودوائر نسبية .
3-
و تكمن قيمة الرياضيات في كونها ساهمت في تطور العلوم ، من مجرد وصف كيفي
للظواهر يعتد على اللغة العادية المبهمة الى تحديد كم دقيق لها ؛ فالعلوم
لم تبلغ الدقة في فهم ظواهرها ومن ثــمّ التنبؤ بها ، الا بعدما صارت تصوغ
نتائجها صياغة رياضية .
هذا من جهة ، ومن جهة فإن الرياضيات تهيئ للعلم
المفاهيم التي يقوم عليها، مثال ذلك ان " نيوتن " اقتبس مفهوم المكان من
المكان الحسي عند " إقليدس " ، ولولا هندسة " ريمان " لما كانت نسبية "
إنشتاين " .
ومن جهة ثالثة ، فإن الرياضيات تسمح باكتشاف
القوانين العلمية دون الحاجة الى المرور بالملاحظة والتجربة ، مثال ذلك أن
حساب العالم " لوفيريي " لكوكب " أورانيوس " أدى الى اكتشاف كوكب " نيبتون
" ، كما وصل العالم " ماكسويل " الى اكتشاف الموجات الكهرومغناطيسية ووضع
لها أربع معادلات رياضية أحاطت بخواصها من حسابات رياضية خالصة ، ولم يتحقق
منها العلماء تجريبيا الا بعد مرور ثمانين – 80 – سنة .
* وهكذا يتضح ، أن للرياضيات قيمة كبرى باعتبارها
لغة العلوم الحديثة ، فهي وإن كانت لا تقدم أي معرفة تجريبية ، فإنها
اللغة التي تستخدمها هذه العلوم في التعبير عن نتائجها . فالرياضيات تمثل
نموذجا للوضوح ومعيارا للدقة واليقين وطريقا للابداع ، وهو ما يهدف كل علم
الى بلوغه .
الموضوع السادسة :هل يمكن اخضاع المادة الحية للمنهج التجريبي على غرار المادة الجامدة ؟ جدلية
- طرح المشكلة :
تختلف المادة الحية عن الجامدة من حيث طبيعتها المعقدة ، الامر الذي جعل البعض
يؤمن ان تطبيق خطوات المنهج التجربيي عليها بنفس الكيفية المطبقة في المادة
الجامدة متعذرا ، و يعتقد آخرون ان المادة الحية كالجامدة من حيث مكوناتها
مما يسمح بامكانية اخضاعها للدراسة التجريبية ، فهل يمكن فعلا تطبيق
المنهج التجريبي على المادة الحية على غرار المادة الجامدة ؟
– محاولة حل المشكلة :
- أ- الاطروحة :
يرى البعض ، أنه لا يمكن تطبيق المنهج التجرببي على الظواهر الحية بنفس
الكيفية التي يتم فيها تطبيقه على المادة الجامدة ، إذ تعترض ذلك جملة من
الصعوبات و العوائق ، بعضها يتعلق بطبيعة الموضوع المدروس ذاته و هو المادة
الحية ، و بعضها الاخر الى يتعلق بتطبيق خطوات المنج التجريبي عليها .
-ب- الحجة :
و يؤكد ذلك ، أن المادة الحية – مقارنة بالمادة الجامدة – شديدة التعقيد
نظرا للخصائص التي تميزها ؛ فالكائنات الحية تتكاثر عن طريق التناسل
للمحافظة على النوع و الاستمرار في البقاء . ثم إن المحافظة على توازن
الجسم الحي يكون عن طريقالتغذية التي تتكون من جميع العناصر الضرورية التي
يحتاجها الجسم . كما يمر الكائن الحي بسلسلة من المراحل التي هي مراحل
النمو ، فتكون كل مرحلة هي نتيجة للمرحلة السابقة و سبب للمرحلة اللاحقة .
هذا ، و تعتبر المادة الحية مادة جامدة أضيفت لها صفة الحياة من خلال
الوظيفة التي تؤديها ، فالكائن الحي يقوم بجملة من الوظائف تقوم بها جملة
من الاعضاء ، مع تخصص كل عضو بالوظيفة التي تؤديها و اذا اختل العضو تعطلت
الوظيفة و لا يمكن لعضو آخر أن يقوم بها . و تتميز الكائنات الحية – ايضا –
بـالوحدة العضوية التي تعني ان الجزء تابع للكل و لا يمكن أن يقوم بوظيفته
الا في اطار هذا الكل ، و سبب ذلك يعود الى أن جميع الكائنات الحية –
باستثناء الفيروسات – تتكون من خلايا .
بالاضافة الى الصعوبات المتعلقة بطبيعة الموضوع ،
هناك صعوبات تتعلق بالمنهج المطبق و هو المنهج التجريبي بخطواته المعروفة ،
و أول عائق يصادفنا على مستوى المنهج هو عائقالملاحظة
؛ فمن شروط الملاحظة العلمية الدقة و الشمولية و متابعة الظاهرة في جميع
شروطها و ظروفها و مراحلها ، لكن ذلك يبدو صعبا ومتعذرا في المادة الحية ،
فلأنها حية فإنه لا يمكن ملاحظة العضوية ككل نظرا لتشابك و تعقيد و تداخل و
تكامل و ترابط الاجزاء العضوية الحية فيما بينها ، مما يحول دون ملاحظتها
ملاحظة علمية ، خاصة عند حركتها أو اثناء قيامها بوظيفتها . كما لا يمكن
ملاحظة العضو معزولا ، فالملاحظة تكون ناقصة غير شاملة مما يفقدها صفة
العلمية ، ثم ان عزل العضو قد يؤدي الى موته ، يقول أحد الفيزيولوجيين
الفرنسيين : « إن سائر اجزاء الجسم الحي مرتبطة فيما بينها ، فهي لا تتحرك
الا بمقدار ما تتحرك كلها معا ، و الرغبة في فصل جزء منها معناه نقلها من
نظام الاحياء الى نظام الاموات ».
و دائما على مستوى المنهج ، هناك عائق التجريب
الذي يطرح مشاكل كبيرة ؛ فمن المشكلات التي تعترض العالم البيولوجي مشكلة
الفرق بين الوسطين الطبيعي و الاصطناعي ؛ فالكائن الحي في المخبر ليس كما
هو في حالته الطبيعية ، إذ أن تغير المحيط من وسط طبيعي الى شروط اصطناعية
يشوه الكائن الحي و يخلق اضطرابا في العضوية و يفقد التوازن .
ومعلوم ان التجريب في المادة الجامدة يقتضي تكرار
الظاهرة في المختبر للتأكد من صحة الملاحظات و الفرضيات ، و اذا كان
الباحث في ميدان المادة الجامدة يستطيع اصطناع و تكرار الظاهرة وقت ما شاء ،
ففي المادة الحية يتعذر تكرار التجربة لأن تكرارها لا يؤدي دائما الى نفس
النتيجة ، مثال ذلك ان حقن فأر بـ1سم3 من المصل لا يؤثر فيه في المرة
الاولى ، و في الثانية قد يصاب بصدمة عضوية ، و الثالثة تؤدي الى موته ،
مما يعني أن نفس الاسباب لا تؤدي الى نفس النتائج في البيولوجيا ، و هو ما
يلزم عنه عدم امكانية تطبيق مبدأ الحتمية بصورة صارمة في البيولوجيا ، علما
ان التجريب و تكراره يستند الى هذا المبدأ .
و بشكل عام ، فإن التجريب يؤثر على بنية الجهاز العضوي ، ويدمر أهم عنصر فيه وهو الحياة .
و من العوائق كذلك ، عائق التصنيف و التعميم ؛
فإذا كانت الظواهر الجامدة سهلة التصنيف بحيث يمكن التمييز فيها بين ما هو
فلكي أو فيزيائي أو جيولوجي وبين أصناف الظواهر داخل كل صنف ، فإن التصنيف
في المادة الحية يشكل عقبة نظرا لخصوصيات كل كائن حي التي ينفرد بها عن
غيره ، ومن ثـمّ فإن كل تصنيف يقضي على الفردية ويشوّه طبيعة الموضوع مما
يؤثر سلبا على نتائج البحث .
وهذا بدوره يحول دون تعميم النتائج على جميع
افراد الجنس الواحد ، بحيث ان الكائن الحي لا يكون هو هو مع الانواع الاخرى
من الكائنات ، ويعود ذلك الى الفردية التي يتمتع بها الكائن الحي .
-جـ- النقد :
لكن هذه مجرد عوائق تاريخية لازمت البيولوجيا عند بداياتها و محاولتها الظهور
كعلم يضاهي العلوم المادية الاخرى بعد انفصالها عن الفلسفة ، كما ان هذه
العوائق كانت نتيجة لعدم اكتمال بعض العلوم الاخرى التي لها علاقة
بالبيولوجيا خاصة علم الكمياء .. و سرعان ما تــمّ تجاوزها .
أ- نقيض الاطروحة :
و خلافا لما سبق ، يعتقد البعض أنه يمكن اخضاع المادة الحية الى المنهج التجريبي ،
فالمادة الحية كالجامدة من حيث المكونات ، وعليه يمكن تفسيرها بالقوانين
الفيزيائية- الكميائية أي يمكن دراستها بنفس الكيفية التي ندرس بها المادة
الجامدة . ويعود الفضل في ادخال المنهج التجريبي في البيولوجيا الى العالم
الفيزيولوجي ( كلود بيرنار ) متجاوزا بذلك العوائق المنهجية التي صادفت
المادة الحية في تطبيقها للمنهج العلمي .
-ب- الادلة :
و ما يثبت ذلك ، أنه مادامت المادة الحية تتكون من نفس عناصر المادة الجامدة
كالاوكسجين و الهيدروجين و الكربون و الازوت و الكالسيوم و الفسفور ...
فإنه يمكن دراسة المادة الحية تماما مثل المادة الجامدة .
هذا على مستوى طبيعة الموضوع ، اما على مستوى
المنهج فقد صار من الممكن القيام بالملاحظة الدقيقة على العضوية دون الحاجة
الى فصل الاعضاء عن بعضها ، أي ملاحظة العضوية وهي تقوم بوظيفتها ، و ذلك
بفضل ابتكار وسائل الملاحظة كالمجهر الالكتروني و الاشعة و المنظار ...
كما اصبح على مستوى التجريب القيام بالتجربة دون
الحاجة الى ابطال وظيفة العضو أو فصله ، و حتى و إن تــمّ فصل العضو الحي
فيمكن بقائه حيا مدة من الزمن بعد وضعه في محاليل كميائية خاصة .
جـ- النقد :
ولكن لو كانت المادة الحية كالجامدة لأمكن دراستها دراسة علمية على غرار المادة
الجامدة ، غير ان ذلك تصادفه جملة من العوائق و الصعوبات تكشف عن الطبيعة
المعقدة للمادة الحية . كما انه اذا كانت الظواهر الجامدة تفسر تفسيرا
حتميا و آليا ، فإن للغائية إعتبار و أهمية في فهم وتفسير المادة الحية ،
مع ما تحمله الغائية من اعتبارات ميتافيزيقية قد لا تكون للمعرفة العلمية
علاقة بها .
التركيب :
و بذلك يمكن القول أن المادة الحية يمكن دراستها دراسة العلمية ، لكن مع
مراعاة طبيعتها وخصوصياتها التي تختلف عن طبيعة المادة الجامدة ، بحيث بحيث
يمكن للبيولوجيا ان تستعير المنهج التجريبي من العلوم المادية الاخرى مع
الاحتفاظ بطبيعتها الخاصة ، يقول كلود بيرنار : « لابد لعلم البيولوجيا أن
يأخذ من الفيزياء و الكمياء المنهج التجريبي ، مع الاحتفاظ بحوادثه الخاصة و
قوانينه الخاصة ».
- حل المشكلة :
وهكذا يتضح ان المشكل المطروح في ميدان البيولوجيا على مستوى المنهج خاصة ، يعود أساسا الى طبيعة الموضوع المدروس و هو الظاهرة الحية ، والى كون البيولوجيا علم حديث العهد بالدراسات العلمية ، و يمكنه تجاوز تلك العقبات التي تعترضه تدريجيا
